فيسبوك تويتر RSS



العودة   منتديات ستوب > المنتديات الأدبية > منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة

منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة سير ذاتية للأدباء ودراسات ادبية وكتب شعراء كتاب . مقالات . صحف أدب حوار. مكتبة الكترونية ادبية . بحوث ادبية . دراسات ادبية. ادب عربي.كل ما يتعلق بالادب العربي والعالمي. مكتبة الكتب. اضخم مكتبة عربية . موسوعة الادب العربي, موسوعة الكتب الادبية . تراجم شعراء, ترجمة . الادب العالمي . الادب العربي. مقالات متنوعة



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1  
قديم April 11, 2008, 07:52 PM
 
Sss20 الإنتظام البلاغي . خصائص الإنتظام البلاغي للغة العربية . المكتبة الأدبية العالمية










خصائص الانتظام البلاغي الدقيق للّغة
العربي عمّيش
العدد 54 - شباط 2013
لعلّ من بين مخلَّفات القياس في قواعد اللغة العربية جنوح الفكر إلى التضحية بكثير من الفوائد البلاغية الحاسمة في الاختصاص الإبداعي التي لا ينتظمها القياس التقعيدي إما استعصاء عليه أو إيقاع تلك الفوائد خارج نطاق التداول الدرسي، فالبلاغيون العرب، ومعهم نقاد الأدب، كثيراً ما أجبرهم الالتزام باحترام السياق المدرسي الرسمي للتفكير البلاغي العربي على ضرورة غضّ النظر عن كثير من الآراء والفوائد الانطباعية التي نراها المحور الحاسم في تفعيل التفكير النقدي الأدبي العربي القديم وربّما حتى المحدث من حيث ظلّوا ينظرون إلى تلك الامتيازات النظرية على أنّها فضلة مهيأة للانحراف بالفكر عن سياقه التاريخي السياسي المتّفق عليه. وتماشياً مع سياق المحافظة فقد دأبوا على ألا يروا في تلك السياقات النقدية التفريعية صلةً بالمتون المعتمدة، ما دامت الآراء النقدية البلاغية المدرسية راعية للنموذج الشعري الافتراعي.
إنَّ الذي من بلاغة اللغة الفنية دائمة النشاط متواصلة التجدُّد والابتداع هو صدورها عن فاعلية النشاط الحسّي، فقد ألفينا الجاحظ منذ البدايات النظرية الأولية يقول ما يفيد هذا السياق التفهُّمي ويُقوِّيه، وهذه الآراء وإن كانت لا يُحتفل بها في الدرس البلاغي التقعيدي فإنها تبقى مستحوذةً على كثير من الجوانب الوظيفية في حيّز فلسفة البلاغة أي في مستوياتها الإيقاعية. نقتطف من هذا المشروع النظري المهمَّش جملة من المقولات الحاسمة منها قول الجاحظ بالتعديل والاستواء(1)، الذي هو عبارة عن ذوق أصوات الحروف، وقياس أزمان مقاطعها سواء أكان تركيبها أفقياً كما هو في توزيع التسطير أم كان عمودياً مثلما هو بناء القصيدة العمودية، وعلى أعدل تقدير فإن العناصر اللغوية الدقيقة لا يقوى العقل على القبض على مقدراتها البلاغية تلفيظاً وتشكيلاً وإنما هي متروكة لقياس الحسّ وحساب الغريزة، لذلك عوّلوا على صحة الطبع(2) والذوق مستغنين بهما عن معرفة العروض، فالقول بالفطرة والسليقة غير القول بالتحفيظ واحتذاء النموذج(3). وإذا كان الدرس البلاغي من خلال ترسيمه المعرفي قد ألغى كثيراً من المقدرات الانفعالية، فإن التعليقات التحليلية الكثيرة محيلة أبداً على تلك المظانّ والمداخل المتحفَّظ عنها، من ذلك أثر اللذة الحسّية في استخلاص القيم البلاغية(4).
وكذلك نجد الجاحظ يستتبع مقولة التعديل والاستواء التي نحسنها قوى نفسية ناظمة وازنة موقعة لبلاغة الكلام الفنّي بمقولة تكميل الحروف وإعطائها حقوقها من الفصاحة(5)، هي جهود وإن كانت دقيقة خفية يصعب استجلاؤها وإخراجها من حيّز التداول الهامشي إلى صلب المتن البلاغي، إلا أنها تعدُّ الروح المغذّية للنزوع الفنّي في بلاغة الكلام، وبالتوافق مع هذا نلفي مصطلحاً بلاغياً خفياً لا يُؤبه له كثيراً، من ذلك قولهم إقامة الوزن، ولا يكون ذلك إلا بتوظيف الجوانب الإيقاعية، وأمر الإبداع في تقدير هذه الاعتمالات الإيقاعية موكول به إلى حيازة أسباب المعرفة الخاصة فليس «... يعرف حقائق مقادير المعاني، ومحصول حدود لطائف الأمور إلا عالم حكيم، ومعتدل الأخلاط عليم، وإلا القويّ المنّة، الوثيق العقدة، والذي لا يميل مع ما يستميل الجمهور الأعظم والسواد الأكبر»(6).
لا يتحقق لجانب الحسّ أن يبرع في تحصيل تداعي الحوافز الانفعالية البانية فلسفة البلاغة في جوانبها الإيقاعية الدقيقة المسالك إلا إذا توافت الأسباب الانفعالية داخل الذات المنشئة المرتجلة للموقف التعبيري، حتى إذا ما تراسلت هذه القيم النفسية استوت لها أسباب البراعة الإنشائية بما يتلخّص مع سياق جيشان الصدور وانقذافها على الألسنة(7) فاللسان اللاهج ليس سوى آلة دالة على تلك الاعتمالات ناقلة مصوِّرة لها. وقد يقول قائل إن من شأن الإحالة على هذه الجوانب الانفعالية الباطنية الموغلة في الروحية أن يخرج المنظور البلاغي النظرية المعقولة إلى حيّز التوصيفات والنعوت المائعة التي لا تكاد ترسو على نموذج أدبي، غير أننا نقول إنّ البلاغيين العرب تحسُّباً لهذا المرمى كانوا قد أحاطوا توصيفاتهم الحدسية الانفعالية بدعامات اجتماعية متَّنت أواصر التواصل بين طرفَي الخطاب من حيث بنوا المبدأ على الإفهام ثم عزَّزوه ببسط ما يقابله من لدن القارئ أو المتلقِّي على العموم فكان القول: بمبدأ التفهُّم مصداقاً لقول الجاحظ(8): «والمفهم لك والمتفهّم عنك شريكان في الفضل»، وبين درجتَي الفهم والتفهُّم تتحدَّد مستويات الوعي البلاغي للدلالة اللغوية الفنية، وكيف لا يتفق لهم هذا المنظور الفكري الموغل في الجمالية الروحية وهم الذين ارتأوا أسباب البذل البلاغي مكافئة لما يلقاه طالب القرى(9) بل إن تزيين المعاني وتجميلها مأدبة للروح، وسياسة للفكر ولياقة للخواطر.
وبحسب تصوُّرنا لمقوّمات العملية الإبداعية في حيّز الأدب بكلّ تفريعاته الإنشائية فإنّ النقد الأدبي مجسَّداً في سياقه البلاغي لا يستطيع مداخلة مناطات الإبداع ومقاربتها إلا إذا صدر هو بدوره عن حسّ إبداعي حرّ، والبلاغيون أنفسهم في أشدّ المواقف النظرية صرامة يقرُّون بمبدأ تحرير الذات المبدعة ودفعها إلى تبنّي التداعي والارتجال العفويَّين، لأنّهم تحت صرامة التقعيد مقرون بمبادئ التحرر الفنّي مجسّداً في إرسال المعاني على سجيتها وتركها تطلب الألفاظ لنفسها «... فإنها إذا تركت وما تريد، لم تكنس من الألفاظ إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلاّ ما يزينها...»(10) وهذا كلام كلّه داخل تحت منظور حرية الانطباع بالإبداع وعفوية مجاذبة أدواته التوقيعية.
وإذاً فالانطباعات الهامشية المتذيّلة الرأي البلاغي المدرسي، سواء أكانت تلك الزيادة أو الفضلة واقعة على هامش المتن من طرف الورقة كتابة أو حواشي الكلام عبر تفاضلاته حيث تحتلّ الفكرة النقدية سياقاً تذييلياً شارحة المقولات الرئيسة البارزة في الخطاب النقدي الأدبي مفسِّرة لها، فإنّ الإبداع الفكري في حيّز الدرس البلاغي العربي غالباً ما تقع فيه تابعة للمتن متجلية في شكل نشاط تحليلي أو توضيحي، يتمتَّن هذا الرأي في ضوء سيرورة فهرس موضوعات الدرس البلاغي، فالمتعارف عليه أن الدرس البلاغي متمحور ضمن موضوعات درسية تكاد تتلخّص منذ عبد اللّه بن المعتزّ في التشبيه بكلّ مكوّناته والاستعارة والمجاز، وقد ظلّ جانب البديع المحتمل لجوهر العملية الإبداعية يأتي هامشاً تذييلياً للمواضيع البلاغية الكبرى، غير أن اشتمال موضوع البديع على حقيقة النزوع الإبداعي جعله يتكاثر متفرّعاً إلى مجالات إبداعية كثيرة النشاط، وقد زاد مواضيع درسه بالقدر الذي صار به متفوّقاً على أصوله البلاغية الأولى.
ولقد سعينا إلى الاجتهاد في إطلاق تسمية الهامش على غير المتعارف عليه في اختصاص هذا المسمَّى لأنه يعني عموماً ما تعلَّق بالمتن من خارجه فلا تقع الإشارة إليه إلا من خارج الحيّز المخصّص لمعالجة صلب الموضوع والتعليق عليه، وإنما تبيَّن لنا أنّ ثمة آراء فاعلة وأفكاراً محورية عادة ما يحتشم البلاغيون المدرسيون في الاحتفال بها علانيةً فيثبتونها مذيّلة لأيقونة الخطاب النقدي المعوّل عليه والذي لا يتردّدون في الاندماج في تقاليده الفكرية، ولنضرب لهذا المسعى مثلاً بما أورده عبد القاهر الجرجاني من احتفالية معرفية بالغة بما ارتآه في غموض المذاهب ودقّتها حيث ارتأى في مجاذبة تناهي الغامض وتعاطي عجيب الخفيّ المبهم سبيلاً للإبداع في إنتاج القيم البلاغة، فالأسرار الدلالية متوارية خلف تلك الإحالات الروحية التي يلتذّ الحسّ بمزاولتها والتعلُّق بأسباب تماهيها في المعرفة الإنسانية، ومن ثمّة نلفي مذهبَ عبد القاهر البلاغي ومنهجه النقدي متماشيَين متناسقَين مع ضرورة نقل تعاطي فنّ البلاغة من حيّز المعرفة العقلية العامة المشتركة المتداولة بين عامة الناس إلى حيّز المعرفة الحسّية الخاصّة أي النفسية الانفعالية فالناس كثيراً ما يتفقون في المظاهر ليختلفوا في المخابر.
وبالموازاة مع هذا التوجّه فإنه ينبغي اشتراط تعاطي فنّ التفكير البلاغي متّسقاً مع مزاولة الإبداع البلاغي والانخراط في أتون إنشاء قيمه الأسلوبية، لذلك يكون من الأجدر بالخائض في النقد الأدبي البلاغي - وبالأحرى نقد الشعر - أن يكون لا متعاطياً لعلم الشعر إلا بعد تعاطيه(11)، وتلك هي التي ندعوها اليوم الرؤية الداخلية التي تكسب الناقد تفهُّم الأسرار البلاغية والإيقاعية المتناهية الدقة والخفاء بما يعني فلسفة الفنّ، فإن لفضل تفهُّم الأسرار البلاغية قيمة ثقافية تؤهّل القارئ اكتساب شجاعة الانطباع النقدي المغامر الذي يُسمِّي القضايا والأفكار في مضانّ مكامنها اللغوية، وتلك هي المزية ذاتها التي نراها أهَّلت ابن المعتز لامتلاك شجاعة التهدّي بحسِّه الإبداعي لمعالجة موضوع البديع وبلورته في شكل خلاصات نقدية أسماها الاستعارة والتجنيس(12) من منظور واقعي أكثر من واقعية النهج المدرسي الذي هو المهيمن المعلن في سياق تاريخ التفكير البلاغي العربي.
يتّفق مسعى تأكيد فاعلية الآراء النقدية البلاغية الهامشية الآتية عادة تالية للمقولات النقدية المحورية الساري عليها مبدأ التفكير البلاغي العربي الدرسي، مع الإشارات التوضيحية التي تثبت جميعها مدى استفاضة التفكير البلاغي وذهابه المذاهب الإبداعية الحرّة المتفلِّتة من الحصر التقعيديّ الذي من شأنه التضييق على حرية التفكير النقدي الأدبي وقد يكون كافياً لأن نستدلّ على تقوية هذا المذهب بمقولة الجاحظ، نقول بهذا مسجّلين بعض الآراء الانطباعية الوازنة الشأن الواردة من حين إلى آخر في كلام النقاد البلاغيين العرب من ذلك رأي حازم القرطاجنّي(13): «وكيف يظنُّ إنسان أن صناعة البلاغة يتأتى تحصيلها في الزمن القريب، وهي البحر الذي لم يصل أحد إلى نهايته مع استنفاد الأعمار فيها، وإنما يبلغ الإنسان منها ما في قوته أن يبلغه...»، والظاهر أن حازم القرطاجني يلائم بين تعاطي البلاغة وتعاطي ابتداع فن الشعر هذا بإصابة الرأي والآخر ببذل أسباب التمهّر في ابتداع آياته جمال فن القول في مضاميره اللامتناهية المرامي.
يؤدي بنا هذا التخمين إلى تفهُّم النزوع البلاغي كما هو لدى علماء فن القول إلى تخريج الحسّ البلاغي على أنّه فوق التفكير التعليمي وإنما هو التزام وتطوّع في الحياة غلاّب يتفوَّق على القيم المعرفية ليقارب كونه مدبّراً «... بالطبع والمنشأ والعلم والأصول والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة والبلوغ»(14). وهو المسلك الذي تستوجبه التربية الحسّية لاستيعاب الانفعال بالقيم الفنية.
هذا وما يزال التفكير النقدي الأدبي العربي يتطوّع في تطلُّب الغايات الإبداعية الخارقة المغايرة المخالفة للاعتيادي المكرّس حتى يبلغ بهم الفكر حدّ الثورة، كذلك ذهب ابن خلدون في الانقلاب على السائد المكرّس رائياً إلى شعريتَي المتنبي وأبي العتاهية على أنهما خلوّ من كل مزية شعرية حين قال بعدما رأى أن للشعر أساليبه الخاصة به: «كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الأدبية يرون أن نظم المتنبي وأبي العتاهية ليس هو من الشعر في شيء»(15).
وفي خضم هذا التخالج الطبيعي الذي يقتضيه حسّ الانفعال بالقيم البلاغية، والذي يرقى إلى أن يصير هاجساً مؤثراً في ابتداع الأساليب اللغوية البليغة لأنّ من طبيعة الشعراء أن يستنيبوا عن اللفظ بدلالة الحال(16) وهي طبيعة دلالية طالما تفلّتت من حصر القاعدة اللغوية لها، واعتباراً بهذا المؤدّى فإنّ الوظيفة الفنية في تعاطي الإبداع اللغوي من خلال العيّنات الأدبية نثرا كانت أم شعراً داخل في صميم تحرير الطاقة الإبداعية الكامنة في جوهر النزوع الأدبي العربي، تتأدى هذه الوظيفة الإبداعية من خلال توخّي التأني أو التأتي وإنتاج خاصّ اللغة بدلاً من عامّها ومشتركها بالمجاذبة والملاءمة والإسهاب في تحسُّس المقاييس البنائية التي لا يمكنها أن تخطئ القيم التقديرية لتوقيعات الكلام الفني ائتساراً لقيم الطلاوة واللياقة والروقان(17)، وليس يحصل هذا الامتياز اللغوي إلا بتوافر الفجوات الدلالية والأحيزة القاضية بتحرير الفهم والتفهّم لدى الطرف القارئ، يتَّفق هذا السياق البلاغي مع متطلبات توزين الدلالة وتوقيعها باستثمار المناسبات التعبيرية العاملة على توفير سياقات الانزياح في الدلالة الأدبية فقد أُثر عن العرب أنهم في صميم نزوعهم البلاغي كانوا يستحبُّون أن يدعوا للقول متنفساً(18) هو بمثابة المناسبة التي تحفظ للمتلقي حضوره الفاعل في إثراء الجوانب الدلالية في بنية الخطاب الأدبي.
تقتضي حاجة المنطق للطلاوة والحلاوة أن يتحسّس المتكلم بصفة مبدئية والمنشد بصفة ارتقائية المواد الصوتية لسانياً أو يستوعبها سماعياً، واللغة خلال هذين الحيّزين الحاسمين في تشخيص الالتذاذ البلاغي للسياقات التعبيرية تتلوَّن بأصناف الانتظامات الكفيلة بتوقيع المعاني وتزيينها في آذان السامعين الذين تتفاوت درجات إخلاصهم في تفهُّم الخطاب من تلقٍّ بسيط إلى مرتبة المريدية، لعلّ هذا الذي عناه الجاحظ(19) حين قال: «... وتخفيف المؤونة على المستمعين وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين بالألفاظ المستحسنة في الآذان المقبولة في الذهان ورغبة في سرعة استجابتهم ونفي الشواغل عن قلوبهم».
ويبدو مما هو مثبت موثَّق في تاريخ التفكير البلاغي العربي أنّ المتعة الأدبية ليست دائماً متَّصلة بجهة المعنى والفكر والدلالة مثلما هو شائع مبالغ فيه، فحقيقة الالتذاذ الحسّي للمغازي الأدبية راجعة إلى تلك الاحتفالية النفسية الروحية التي يصادفها مطالع مستويات التوقيع البلاغي المتجسِّدة في خصوصية التركيب والأسلبة، وإن جميع أمور هذا الشأن معقودة على كون أدب الغريزة هو الأصل(20) في حقيقة الإمتاع الأدبي الطافر النزَّاع من مقتضيات اللياقتين الفنية الجمالية وذلك قبل أن تتبدَّد نصاعة الابتداع في مجاذبات فروع الدرس البلاغي إلى الرواية والتحفظ بدل الإخلاص إلى سيرورة معين معدن جوهر الإبداع في حيّز تعاطي موجبات الاستجداد الأدبي.
أما المراد من قول الجاحظ بفائدة تخفيف المؤونة فدلالته كامنة في كون الكلام الفني متَّسم أبداً بسهولة المنطق نظراً لحسن تقسيمه وتوزُّعه صوتياً ومقطعياً ولفظياً بما يلائم الوظيفة اللسانية ولو خرج الكلام على شروط الأداء الإنشائي الملذوذ نتج عنه التعجرف والإكراه والتعقيد، وتلك هي قواعد بلاغة الكلام منذ عهودها الأولى، إذ يكون كافياً لحيازة الكلام درجة الشعرية بأن يستحوذ على أسباب المنطق الرشيق، فقد جاء منذ القديم تفضيلهم هذا الامتياز البلاغي حتى وإن لم يتسمَّ في المتون وجاء متوارياً في الدلالات الهامشية، من ذلك قول قول ابن سلام(21) في تفضيل أشعار بعينها بترقيق حواشي الكلام، واختصاص أشعار قريش أصحاب اللغة الجميلة بليونة المنطق مثل شدّة ائتسار الكلام وترويضها وفق الكيفيات البنائية المولّدة للتوقيعات اللسانية الملذوذة، والمستخلص من منظور هذا التداول لمختلف الأفكار النقدية النابضة بها متون النقد الأدبي البلاغي العربي القديم أنّها لشدَّة تماشيها مع الشروط الحسّية والطبيعة الإنسانية كفيلة بأن تواكب مختلف التجارب الشعرية مهما اختلفت بها أسباب التشكيل أو البناء على نمط ما هو ظاهر الخلاف بين القصيدة العربية العمودية وبين قصيدة التفعيلة في التجربة الشعرية العربية الحديثة، حيث نُقدِّر أن البحث في جذور البدايات الشعرية الأولية كفيل بأن يُسلِّمنا إلى حرية التجريب الشعري وعفويته التي سادت العهود اللغوية العربية الضبابية الأولى، فالأشكال التعبيرية لا تعدو أن تتلبَّس الالتزامات السياسية والاجتماعية والتي نحسب أن شكل التقصيد العمودي هو أحد تمظهراتها الغلاّبة.
نقتطف من شجرة هذا القول فوائد بلاغية عدّة منها توصيف السامع بالمريد، وتلك مرتبة في إخلاص التواصل لم يرتئِها عالمٌ غير الجاحظ، وهو أي الجاحظ وإن كان من الممجِّدين للعقل والمنطق حسبما هو متعارف عموماً عليه إلا أنه في خضمّ إيغاله في أكناه المكوِّنات البلاغية للقول الفني والكلام البلاغيّ الجميل ينزاح بعيداً عن الخانة التي قيدت رؤيتنا إليه ليرتدّ عالماً بلاغياً جمالياً منقطع النظير قوام رؤياه الرهافة واللّياقة والكياسة والتفهُّم الفني العميق الأبعاد الواسعها، وثمة بعد هذا الاستثمار المبدئي الذي رأيناه بعد آخر نجتنيه من رأي الجاحظ السابق قوامه ترقية السامع المنتج لمقوّمات الخطاب، المكمّل لها، المتجاوز لفظية الخطاب إلى التمثل الروحي لملابساته الفنية الجمالية، فالسامع يرتدّ مريداً تعبيراً عن التواصل القلبي المخلص بين الخاطب والمخطوب فيه، والأبدع في سياق هذه الترقية المعرفية هو الانزياح بمفهوم السامع المتلقي التقليدي صعوداً به إلى علية المريد وهو المصطلح الصوفي المعبّر عن عمق التفاعل الحسّي بين طرفَي الخطاب.
وحسبما استقرَّ في نسق تداول المرجعيات الفنية في المرجعيات البلاغية فإنّ كثيراً من الوظائف الإبداعية موكل بها إلى جانب الانفعال الحسّي لأنه القمين بالقبض على تلك الوشائج اللطيفة المتماهية في بواطن النفس، وإن تتبُّع تلك الشعيرات التركيبية لا يقوى العقل على التعامل معها باعتبارها واقعة خارج إطار الإحصاء والتصنيف والمنوالية، بيد أن معظم القيم الفنية الجمالية الحقيقة بتشخيص المقدرات البلاغية الحاسمة في شأن الوظيفة الإبداعية طرقها تختلف حتى تفوت النهاية، ومذاهب تتشعَّب حتى لا نهاية(22)، لذلك فقد عجزت بعضُ سياقات التفكير البلاغي العربي عن استثمار هذه القضايا الفنية الجمالية التي تُعتبر بمثابة روح الزخم الإبداعي الحقيقي، وكان عليها بدل تقديس المتون الاشتغال على استنهاض الدلالات الفلسفية الأكثر وظيفية انطلاقاً مما تثيره الاستتباعات التحليلية.
يمكننا التمثيل لسياق تعميق الرؤية البلاغية المتفاعلة مع هوامش الدرس البلاغي بالنشاط التوليدي الذي يتنافس في مضماره الشعراء بغية تحقيق صور المبالغات الطريفة، إذ تبيَّن أنّ اعتماد دلالة الألفاظ والأوزان الصرفية قد بات محدود الإعراب عن إدراك الدلالات القصيَّة، وقد صادف الحسّ الإبداعي في هذه الوجهة البلاغية مندوحة تحقيق الغايات التشعيرية الحرّة التي قد تعجز القصائد عن الاحتفال بها، توطّد هذا التفهّم لدى بعض البلاغيين العرب حتى باتوا من فرط موالاتهم لهذا النهج يلحقون التفنّن في توقيع المبالغات بالخاصية الشعرية وذلك هو الشعر فحسب «تبالغ في التفضيل وتجعل حقيقة الجنسية مقصورة على المذكور»(23).
لقد لخّص عبد القاهر الجرجاني كيفية تحقيق الغاية الإبداعية العالية قائلاً بضرورة تحرير الحسّ، فالعوائق الشكلية والعقلية لا شكّ في أنها تقصر قوى الإبداع وتُقعدها عارية من سبل التهدّي إلى بلوغ المرامي الإبداعية القصوى، وإنّ أعدل الأحوال لتحقيق المدارك البلاغية البديعة قائم على تحرير الحسّ وتركه يرعى عوالم التخييل والتصوير، وقد أحاط عبد القاهر الجرجاني بهذا الجانب موفَّقاً في نظرنا حين قال: «ولن تجد أيمن طائراً وأحسن أوّلاً وآخراً، وأهدى إلى الإحسان، وأجلب إلى الاستحسان، من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد لم تكنس من الألفاظ إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها»(24).
وهكذا فإن سبيل كل إبداع الرياضة واللياقة والسياسة، فإنها من مؤهلات حوافز قمينة باختراق عوالم التشكيل البلاغي والإيقاعي للعملية الأدبية، وهذه المرجعيات الفنية النفسية لا يمكن إعمال قواها إلا بالتزام الذات المبدعة باعتماد الطقوس الإبداعية المتماشية مع الخصائص الانفعالية المؤاتية مع تلك الوجهة.
وإن من وظائف الحسّ والغريزة في طبيعة الإنسان أن يغبط بما يصادفه في نفسه من حسن بلاغة الكلام فهو يتجاوب طبيعياً مع إنتاجات الاتساق اللساني السماعي التي ينتجها تمييز مناقلات الكلام والتنويع في الأساليب اللغوية، ويكون جميع هذه الغاية متصلاً بجهة من الانفعال عجيبة قوامها التعديل والاستواء(25) الذي هو قياس طبيعي غريزي يقوم مبدئياً على مراعاة صنوف التجاوبات والتناغمات والتراسلات بين الجمل والمقاطع اللغوية خلال التعبير الشعري والنثري معاً، والعرب في ديدنها لم ترَ إلى الوزن خاصاً بلغة الشعر بل أسبغته على كلّ تعبير لغوي توافرت فيه الأناقة والسلاسة، وكيف يكون الأسلوب جميلاً سلساً مرقّق الحواشي إذا لم يتم توزين المقادير اللسانية السماعية، لذلك فقد يخطئ من يذهب إلى تقدير انتظام لغة الشعر على أنها محدودة بمراعاة الأوزان العروضية، لأن أوزان البحور العروضية أكثر ما يتصل بجانب تقسيم الألفاظ وحسابها بما يتلاءم مع التفاعيل ووزن البيت، لتبقى لذّة الشعر فوق هذه الاعتبارات كلّها متصلة بالمقادير الجزئية الملائمة بين النفس القرائي أي الإنشادي وبين مختلف الموادّ اللفظية الواقعة في حيّز الطاقة النفسية والعصبية والجسمانية، فلعلَّها هي الكفيلة تحديد شعرية الشعر وجمالية اللغة الأدبية الفنية.
لقد أصاب علماء اللغة العربية حين أعطوا أهمية واضحة لمبدأ التلاؤم والتجاور والانسجام بين المتتاليات اللسانية السماعية، لذلك يكون لزاماً على الحسّ الاستذاقة القبلية لتفاعل المتجاورات الصوتية فإنها إن حازت الملاءمة والموافقة سلست وانسجمت وسهل تسييرها حسياً لدى كلّ من المنشد والمتلقي معاً، وإن هي اختلّت أصابها التعجرف والاحتباس وثقلت حتى أوجدت الصعوبة والكدّ والتعسُّر على المنطق.
ولو تأمَّلنا طبيعة الوزن في كمونه الإيقاعي ألفينا إصابة الغاية في هذا المضمار متّصلة بمدى توافر الكلام على مقاييس الخفة والنشاط ولا يمكن للُّغة أن ترقى إلى هذا المستوى الإبداعي إلا بتوافرها على وحدة الانفعال النفسي بالقيم التعبيرية، وهي التي بدورها لا تحصل إلا إذا تحسَّس صاحبها أي مرتجلها أو منشئها لجزئيات تركيب موادها اللسانية الصوتية، فهي إن اتَّسمت بمقاييس الملاحة سلست وجرت على اللسان وإن افتقرت إلى مبدأ الملاءمة انحلَّت وتقطَّعت أسباب زينتها الإنشادية.
وعلى الرغم من القيمة البلاغية التي يحظى بها جانب الوزن أو الإيقاع من الوظيفة الأدبية، فقد تحاشى الدرس البلاغي العربي إشباع تدوير البحث في الموضوع، وقد كان لهذا الاستبعاد لموضوع الوزن آثار مضرّة بالتفكير النقدي الأدبي العربي، من حيث بات النقاد العرب يهابون التطرُّق للوظيفة البلاغية الآتية من جهة الوزن في الشعر، على الرغم من انضواء العروض تحت طائلة البحث البلاغي مثلما هو مفهرس في كتب البلاغيين العرب القدامى(26)، وممّا يزيد توثيقاً لسياق التهيُّب الذي يسكن التفكير النقدي العربي أن موضوع الوزن العروضي ما يزال مفتقراً إلى الاهتمام البلاغي في الدرس الجامعي(27).
لو عدنا إلى استيضاح المبادئ التفكيرية التي ينطوي عليها اختيارنا تسمية هذه الرؤية بالهوامش الفاعلة ألفينا آراء البلاغيين العرب آتية مستتبعة دائماً بانزياحات تفكيرية ترد في شكل توضيح أو تفسير أو تبيين للمقولات الرئيسة الحاسمة في الدرس البلاغي العربي كما ورد لدى أعلامه، لذلك بات ممكناً تسجيل تلك الهوّة الفاصلة بين السياق التقعيدي والسياق التحليلي الذي غالباً ما تنمو أفكار متمحورة حول الفكرة النقدية الرئيسة، فالجاحظ الذي اشتهر بالتفكير المعتزلي المتعارف على تقديسه العقل والقياس، يبدو لنا من خلال الرؤية المعتمدة في استثمار الهوامش المسكوت عنها أنه صاحب رؤية ذات طبيعة إبداعية بالغة الأهمية تتفوّق في كثير من مظاهرها على المتن الدرسي المترسِّم جراء المزاولات النقدية العامّة المفتقدة لخصوصية الاجتهاد والتأويل.
لذلك، وانطلاقاً من هذه الرؤية المنهجية الافتراضية، يمكننا النظر إلى تفكير الجاحظ البلاغي على أنه يسترشد بالمقامات الإبداعية الموغلة في التحرُّر والانعتاق من ربقة القاعدة البلاغية كما هي معهودة في الدرس البلاغي لدى أعلام البلاغة العربية. لذا، وانطلاقاً من استشعارنا لفاعلية المقولات الهامشية ارتأينا التركيز منذ المبدأ على المقولات النقدية والفكرية التي لم يأبه لها الدارسون، وقد نرى أن إعلانها متطلّب هو ذاته شجاعة فكر وجرأة خطاب ظلَّا غائبَين عن كثير من الإسهامات الدرسية السابقة.
يسهل إعمال القواعد اللغوية في كل فكرة قابلة للتصنيف والإحصاء، وأما الأفكار المتماهية إلى الأكناه ومختلف الدلالات الانفعالية الغامضة العميقة من قبيل تلك التي أسَّس عبد القاهر الجرجاني منطلق تفكيره في اقتراح معنى المعنى والشعر الشاعر، فلا سبيل إلى الكشف عنها سوى باعتماد المتمّمات والتوصيفات التي غالباً ما يقع على هوامش التفكير النقدي المحوريّ، لعلّ لنا في بعض المبادئ المتخللة مقولات البلاغيين العرب القدامى ما يكشف اللبس عما نذهب إليه، فعلى سبيل المثال قال ابن سلام الجمحي: الغاية من قول الشعر أو سماعه الإطراف(28)، لذلك استنشد بلال بن أبي بردة حماد الراوية الشعر مفضّلاً استعمال غاية الإطراف من سماع حماد، وهو المطلب الذي نراه يتنامى متداولاً بين البلاغيين العرب لذلك قال الجاحظ: «... لأنّ الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف، وكلما كان أطرف كان أعجب، وكلما كان أعجب كان أبدع، وإنما ذلك كنوادر الصبيان وكلام المجانين... والناس موكولون بتعظيم الغريب واستطراف البعيد»(29).
تنتقل المعاني الفنية الجمالية من حيّز انفعالي إلى آخر، قاطعةً أشواطَ التبعيد والنأي بالمقاصد عن المألوف المعقول إلى المحسوس المستغرب، فالغرابة والطرافة والتعجيب والإبداع جميعها مسافات تمعينية يتطوَّع الحسُّ في بلوغ غاياتها الأدبية. ولو تأمَّلنا المقاصد من رسم هذه الدوائر التبعيدية والغايات التمعينية ألفيناها معلماً مؤشراً على مختلف كفاءات الإبداع لدى الأدباء والشعراء فمنهم من يتعدَّى الإغراب ومنهم يتعدَّى تلك الرتبة ليحوز غاية الإطراف وهناك من تطال قواه الإبداعية مستوى فوق تينك فيعجب ويبدع. المهم في توصيف هذه المؤشرات البلاغية أنها جميعها تتفق في الغاية من ذلك كلّه ألا وهي غاية الإبداع الذي هو المنشود في كلّ متصرفات الممارسة الفنية مهما تنوَّعت حقولها اللغوية من لحن وتصوير وإنشاء.


التعديل الأخير تم بواسطة وليدالحمداني ; February 24, 2013 الساعة 02:39 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم April 11, 2008, 08:36 PM
 

رد مع اقتباس
  #3  
قديم April 12, 2008, 02:42 AM
 

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة
أدوات الموضوع



الساعة الآن 12:23 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتديات ستوب لاتُعبر بالضرورة عن رأي ستوب ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير