فيسبوك تويتر RSS



العودة   منتديات ستوب > المنتديات الإسلامية > السيرة النبوية وقصص تاريخ الاسلام ورجاله

السيرة النبوية وقصص تاريخ الاسلام ورجاله السيرة النبوية.الاسراء والمعراج.السنة النبوية الصحيحة. صحيح البخاري.صحيح مسلم.تاريخ بني أمية.التاريخ العباسي.التاريخ الأندلسي. التاريخ الفاطمي.التاريخ الاسلامي.تاريخ وتراجم.متون السيرة.تراجم السيرة النبوية.التأريخ الإسلامي.قصص التائبين.قصص الانبياء والرسل.قصص القران.قصص البطولات الاسلامية



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #19  
قديم July 15, 2013, 05:12 AM
 


انتصار العثمانيين على الصفويين في معركة "شماهي":

في 11 من رمضان 986 هـ الموافق 11 من نوفمبر 1578م: انتصر العثمانيون على الصفويين في معركة "شماهي" في القفقاس، وقد خسر الصفويون في هذه المعركة 15 ألف قتيل، وجاءت هذه المعركة في إطار حروب طاحنة بين الجانبين للسيطرة على زعامة العالم الإسلامي.

معارك رمضان.. حقائق وملامح
لا بد من الإشارة إلى جملة من الحقائق التي تستفاد من تتبع واستقراء تاريخ الشهر الكريم مع حروب المسلمين فيه، منها:
-أن تحديد المسلمين شهر رمضان لخوص معاركهم لم يكن أمرا مقصودا، وإنما شاءت الأقدار أن تقع بعض المعارك في رمضان لضرورات فرضتها طبيعة الصراع وأجواء الحرب. فتوقيت معركة بدر التي وقعت أحداثها في رمضان ارتبط بمرور قافلة قريش، وما تبعه من أحداث فرضت توقيت المعركة في هذا الوقت من رمضان؛ ولذا لم يتطرق الحديث في هذه الغزوة من قريب أو بعيد عن ذكر أي شيء عن رمضان، كما أن القرآن الكريم عندما تحدث عن غزوة بدر لم يهتم بذكر توقيتها، ولم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أي فضل لوقوع هذه المعركة في رمضان، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى رمضان ودوره في الانتصار.
وما يمكن استفادته من ذلك أن القتال في رمضان ليس مقصدا شرعيا، وليس من مسببات النصر، وهو ما يوجب على المسلمين أن يكونوا على استعداد تام وكامل بكل الأسباب المتاحة لديهم للدفاع عن عقيدتهم وأرضهم وثرواتهم ضد أي عدوان، وألا يقصروا همتهم على شهر واحد من العام يكونون فيه أقرب لتحقيق النصر من غيره من الشهور، لأن ترسخ فكرة ارتباط النصر بالزمن يشكل خطورة كبيرة على وعي الأمة المسلمة بالتاريخ والتعامل مع أحداثه.
- أن المسلمين في انتصاراتهم في رمضان في أغلب معاركهم لم يكونوا صائمين أثناء القتال، وأن الشرع الإسلامي كان يدعو إلى أن يفطر المسلمون حتى يمتلكوا القوة والقدرة على قتال أعدائهم؛ لأن الصوم مع القتال فيه مظنة الضعف والوهن البدني، وفي هذه الحالة يكون الأولى الفطر وليس الصوم، وهو ما حدث في فتح مكة على سبيل المثال، وهو ما حدث أيضا في معركة شقحب أو مرج الصفر التي وقعت يوم السبت للأول من رمضان من عام 702هـ، واستمرت إلى اليوم الثاني بين التتار والجيوش الإسلامية، وشارك فيها شيخ الإسلام ابن تيمية.
يقول ابن كثير: "أفتى ابن تيمية الناس بالفطر مدة قتالهم، وأفطر هو أيضا، وكان يدور على خيام الأمراء والجند، فيأكل من شيء معه في يده، ليعلمهم أن إفطارهم ليتقووا على القتال أفضل من صومهم، فكان الناس يأكلون اقتداء به".
- أن الدرس الكبير الذي كان يربي الإسلام أتباعه عليه هو فقه التعامل مع النواميس الكونية، وضرورة التوكل الصحيح على الله، بعيدا عن انتظار الخوارق والمعجزات لأنها لن تأتي، ولذلك كان الإمام الغزالي يقول: "الخروج عن سنة الله ليس شرطا في التوكل"، وكان آخر يقول: "ليس التوكل الخروج عن سنة الله أصلا"، ولهذا قرن القرآن الكريم في كثير من المواضع بين الصبر والتوكل، ومن ثم كانت الهزائم التي تعرض لها المسلمون أحد عناصر التربية الإلهية لهم حتى يفقهوا التعامل مع النواميس الكونية ويأخذوا بها.
ومن ذلك ما حدث في غزوة أُحُد التي وقعت في بداية شوال، وتم الاستعداد لها في رمضان، ووقعت بعد خروج المسلمين من شهر رمضان مشحونين بطاقته الروحية، ورغم ذلك وقع ما أسماه القرآن الكريم بـ"الفشل" في أحد، حيث إن السماء أرادت تربية المسلمين على الأخذ بالسنن الكونية في الاجتماع الإنساني، ومنها ضرورة الإعداد الجيد للمعركة، وضرورة طاعة القائد، وعدم تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، يقول الإمام محمد عبده رحمه الله: "رأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، ليلة الخميس غرة ذي القعدة سنة 1320هـ في الرؤيا منصرفا مع أصحابه من أحد وهو يقول: لو خُيرت بين النصر والهزيمة لاخترت الهزيمة".
فالمنطق والتجربة التاريخية يؤكدان أن تربية الأمم على إقامة السنن الكونية والتعامل معها كثوابت لا تجامل أحدا حتى الأنبياء لا يكون من خلال النصوص فقط، ولكن لا بد من تربية فعلية تنقل هذه التصورات إلى حيز الواقع، متمثلة في تجارب عملية تظل شاهدة على صدق النصوص.
ولعل هذا الرأي يتفق مع ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "ما نصر الله رسوله في موطن نصره يوم أحد"، وكان مكمن الانتصار الحقيقي في هذه المعركة هو ضرورة التعامل الإيجابي مع السنن الكونية بمنطق أنها لا تجامل أحدا حتى الأنبياء والصالحين، ومن ثم فإن هذه النواميس لا تتعطل في شهر رمضان فتسمح للأضعف والأقل إعدادا واستعدادا بأن ينتصر عندما يهل هلال رمضان.


ظهور دعوة بني العباس في خراسان:

في الحادي عشر من شهر رمضان عام 129هـ الموافق 25 مايو 477م ، ظهرت دعوة بني العباس في خراسان بقيادة أبي مسلم الخراساني.

سميت الدولة العباسية بهذا الاسم، نسبة إلى العباس عم الرسول (، فمؤسس الدولة العباسية وخليفتها الأول هو أبو العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب عم رسول الله (، وقد اشتهر أبو العباس بأبى العباس السفاح.
كيف آلت الخلافة إلى العباسيين؟
عندما ضعفت الدولة الأموية، تطلع الناس إلى رجل يعود بالأمة إلى الجادة والطريق الصحيح، يرفع عنهم الظلم، ويقيم فيهم العدل، ويرهب بهم الأعداء، فحسبوا أن أصلح الناس لهذا الأمر، رجل يكون من بنى هاشم، فكتبوا فى هذا الشأن إلى "أبى هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية بن على بن أبى طالب" أحد العلماء الثقات، وكان مقيمًا بالشام قريبًا من مركز الخلافة الأموية.. وما لبث أمر تلك المكاتبة أن وصل الخليفة الأموى "سليمان بن عبد الملك"، فخشى أبو هاشم على نفسه -وكانت قد تقدمت به السِّنّ- بطش الخليفة، فانتقل إلى "الحميمة" من أرض الشام؛ حيث يقيم عمه "عليّ السَّجَّاد بن عبد الله بن عباس"، وهناك حضرته منيته، فأوصى إلى "محمد بن على بن عبد الله بن عباس" بما كان من أمر الناس معه، ودفع إليه الكتب التى كتبوها إليه، وقال له: أنت صاحب هذا الأمر، وهو فى ولدك. ثم مات، وكان ذلك فى خلافة سليمان بن عبد الملك سنة 99هـ/ 718م.
وأخذ محمد العباسى فى تنفيذ ما أوصاه به أبوهاشم، فاتصل بالناس، واختار من بينهم دعاة يخرجون وينتشرون فى ربوع الدولة الأموية، يشهرون بها وينتقدون عيوبها، ويدعون إلى ضرورة أن يتولى أمر الخلافة رجل من آل البيت قادر على أن يملأ الأرض عدلا، ووجدت تلك الدعوة صدى عند الناس ورواجًا.
ويموت محمد بن على بن عبد الله بن عباس سنة 124هـ/742م، بعدما أوصى ابنه إبراهيم الملقب بالإمام بمواصلة المسيرة.
وتأخذ الدعوة العباسية عند إبراهيم الإمام صورة أخرى غير التى كانت عليها قبل ذلك، فهى لم تكن منظمة، أما الآن فقد صار لها نظام، وقادة معلومون، من أمثال أبى سلمة الخلال على الكوفة، وأبى مسلم الخراسانى على خراسان.
وما تكاد سنة 129هـ/ 747م، تقبل حتى يصدر أمر الإمام العباسى "إبراهيم بن محمد" أن يكون "أبو مسلم الخراسانى" رئيسًا للدعاة جميعًا فى خراسان وما حولها، وكلَّفه أن يجهر بالدعوة للعباسيين علنًا، وأن يعمل على جعل خراسان قاعدة للانطلاق بقواته ضد البيت الأموى.
انتقال الخلافة إلى العباسيين:
بعد هذا العرض يصبح فى مقدورنا أن نعرف كيف تحولت الخلافة من الأمويين إلى العباسيين.
لقد صدر الأمر إلى أبى مسلم بالجهر بالدعوة للعباسيين فى عهد آخر خلفاء بنى أمية "مروان بن محمد"، ولم يلبث أبو مسلم أن دخل "مرو " عاصمة خراسان، وكاد أن يستولى عليها إلا أنه لم يتمكن من ذلك هذه المرة، وهنا أسرع الوالى على خراسان من قبل بنى أمية، وهو "نصر بن سيار" يستغيث بمروان بن محمد ويطلب منه مددًا، وينبه رجال الدولة إلى الخطر المحدق فيقول:
أَرى خَلَلَ الرَّمادِ وَميِضَ نــــارٍ ويُوشكُ أن يَكُونَ لَهَا ضِـرَامُ
فإن النارَ بالعودين تُذْكــــــى وإن الحربَ مبدؤها كـــــلامُ
فقلت من التعجب ليتَ شِعرى أأيقاظ أمية أم نيـــــــــام؟
ولم يهتم بنو أمية بهذا الأمر بسبب انشغالهم بصراعات أنصارهم القدماء بالشام، وانشقاق زعماء الأمويين على أنفسهم، ولم يمدُّوا واليهم على خراسان بشىء، فأدرك أبو مسلم الخراسانى أن الوالى الأموى لن يصبر طويلا، وأن "مرو" ستفتح يومًا ما قريبًا، فأخذ يجمع العرب من حوله، ثم انقضَّ بهم على "مرو" ففتحت له، وهرب واليها "نصر بن سيار" وكان ذلك سنة 130هـ/ 748م.
وواصل أبو مسلم فتوحاته، فدانت له "بلخ" و"سمرقند" و"طخارستان" و"الطبسين" وغيرها، وتمكن من بسط سيطرته ونفوذه على خراسان جميعًا، وراح يتطلع إلى غيرها، وكان كلما فتح مكانًا أخذ البيعة من أهله على كتاب الله-عز وجل-وسنة نبيه ( "وللرضا من آل محمد"، أى يبايعون إمامّا مرضيًا عنه من آل البيت من غير أن يعِّيَنهُ لهم.
والواقع أن بنى أمية كانوا نيامًا فى آخر عهدهم، لا يعلمون من أمر القيادة الرئيسية لهذه الدعوة العباسية شيئًا، ولما وقع فى يد الخليفة (مروان بن محمد) كتاب من "الإمام إبراهيم العباسى" يحمل تعليماته إلى الدعاة، ويكشف عن خطتهم وتنظيمهم، كان منشغلا بتوطيد سلطانه المتزعزع وقمع الثائرين ضده، واكتفى الخليفة "مروان بن محمد" بأن أرسل إلى القائم بالأمر فى دمشق للقبض على الإمام "إبراهيم بن محمد" "بالحميمة" وإيداعه فى السجن، وتم القبض عليه وأودع السجن، فظل به حبيسًا إلى أن مات فى خلافة مروان بن محمد سنة 132هـ/750م. ولما علم "إبراهيم" بالمصير الذى ينتظره، وعلم أن أنصاره ومؤيديه قد واصلوا انتصاراتهم، وأن الكوفة قد دانت لهم وصارت فى قبضتهم أوصى لأخيه "أبى العباس" بالإمامة طالبًا منه أن يرحل إلى الكوفة ومعه أهل بيته؛ لينزل على داعى العباسيين بها وهو "أبو سلمة الخلال" فهناك يكون فى مأمن من رقابة الأمويين وسلطانهم
مبايعة أبى العباس:
وهناك فى الكوفة -بعد قليل من وصول آل العباس إليها- تمت مبايعة أبى العباس خليفة للمسلمين، وتوجه "أبو العباس" إلى مسجد الكوفة عقب مبايعته بالخلافة فى الثانى عشر من ربيع الأول سنة 132هـ/ 750م، وألقى على الملأ خطبة كانت بمثابة الإعلان الرسمى عن قيام الدولة العباسية، ومما جاء فى تلك الخطبة:
"الحمد لله الذى اصطفى الإسلام لنفسه، وكرمه وشرفه وعظَّمه، واختاره لنا، زعم الشامية أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا، شاهت وجوههم، بِمَ ولم أيها الناس؟ وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق، ودحض الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدًا، ورفع بنا الخسيسة، وتمم النقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل التعاطف والبر والمواساة فى دنياهم، وإخوانًا على سرر متقابلين فى آخرتهم، فتح الله ذلك -مِنَّةً وبهجة -لمحمد (، فلما قبضه الله إليه، وقام بالأمر من بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، حَوَوْا مواريث الأمم، فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصًا منها، ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزُّوها وتداولوها، فجاروا فيها واستأثروا بها، وظلموا أهلها، وقد أملى الله لهم حينًا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، وتدارك بنا أمتنا، وَوَلِىَ نصرنا والقيام بأمرنا، لَيمُنَّ بنا على الذين استضعفوا فى الأرض، فختم بنا كما افتتح بنا، وإنى لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وماتوفيقنا أهل البيت إلا بالله، فاستعدوا أيها الناس، فأنا السَّفَّاح المبيح والثائر المنيح (يقصد أنه كريم جواد) ".
ومن هذه المقولة التصقت به صفة السفاح، فقيل أبو العباس السفاح، مع أنه ما قصد ذلك المعنى الذى شاع على الألسنة.
لقد أعلنها صريحة مدوية فى الآفاق بينما كان "مروان بن محمد" آخر خلفاء بنى أمية يجلس على كرسى الخلافة، فكيف تمت المواجهة بين هؤلاء وأولئك؟ وكيف تحققت الغلبة للعباسيين؟
اللقاء الحاسم:
يالها من لحظات حاسمة فى تاريخ الأمم والشعوب، إن شمس الأمويين الغاربة تؤذن بالزوال، بينما شمس العباسيين فى صعود، وهذه هى الدنيا، فيوم لنا ويوم علينا، والأيام دُوَل.
وكان اللقاء الحاسم بين الأمويين والعباسيين على أحد فروع دجلة بالقرب من الموصل وهو "نهر الزَّاب الأعلى".
فجيش العباسيين يقوده عم الخليفة، وهو "عبد الله بن على"، بينما يقود جيش الأمويين الخليفة نفسه "مروان بن محمد".
كان ذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة 132هـ/ 750م، ولم يجد "مروان" أمام جحافل العباسيين إلا أن يفر إلى "دمشق" مهزومًا أمام مطاردة "عبد الله بن على".
لقد راح يُطارده، فاستولى على "دمشق"، واستولى على مدن الشام واحدة بعد الأخرى، وكان استسلام دمشق العاصمة معناه سقوط دولة بنى أمية، وانتهاء عهدها كعاصمة للدولة الإسلامية، لكن مروان قد فرّ إلى مصر وتوجه إلى صعيدها، وقرب الفيوم، عند قرية "أبوصير" أُلقِىَ القبضُ عليه، وقُتِلَ بعدما ظل هاربًا ثمانية أشهر، يفر من مكان إلى مكان.
ومضى عهد، وأقبل عهد جديد، وسيظل عام 132هـ/ 750م فاصلا بين عهدين، وتاريخًا لا يُنسى.

يتبع

رد مع اقتباس
  #20  
قديم July 15, 2013, 05:14 AM
 

رسالة هولاكو إلى الخليفة المستعصم بالله:

في الحادي عشر من شهر رمضان عام 655هـ الموافق 21 سبتمبر 1257م كتب القائد المغولي هولاكو رسالة إلى الخليفة العباسي المستعصم بالله يدعوه للاستسلام والخضوع والحضور لحضرته وإعلان ذلك.

نجح هولاكو في تحقيق هدفه الأول بالقضاء على الطائفة الإسماعيلية وتدمير قلاعها وإبادة أهلها، وبدأ في الاستعداد لتحقيق هدفه الآخر بالاستيلاء على بغداد والقضاء على الخلافة العباسية؛ فانتقل إلى مدينة "همدان" واتخذها مقرا لقيادته، وكان أول عمل قام به أن أرسل إلى الخليفة العباسي المستعصم بالله رسالة في (رمضان 655 هـ = مارس 1257 م) يدعوه فيها إلى أن يهدم حصون بغداد وأسوارها ويردم خنادقها، وأن يأتي إليه بشخصه ويسلم المدينة له، وأوصاه بأن يستجيب حتى يحفظ مركزه ومكانته ويضمن حريته وكرامته، وإن أبى واستكبر فسيحل بأهله وبلاده الدمار والخراب، ولن يدع أحدا حيا في دولته.
جاء رد الخليفة العباسي على كتاب هولاكو شديدا ودعاه إلى الإقلاع عن غروره والعودة إلى بلاده، ثم أرسل هولاكو رسالة ثانية إلى الخليفة ذكر له فيها أنه سوف يبقيه في منصبه بعد أن يقر بالتبعية للدولة المغولية، ويقدم الجزية له؛ فاعتذر الخليفة العباسي بأن ذلك لا يجوز شرعا، وأنه على استعداد لدفع الأموال التي يطلبها هولاكو مقابل أن يعود من حيث أتى.
كان رد هولاكو على رسالة الخليفة أشد إنذارا وأكثر وعيدا وفي لهجة عنيفة وبيان غاضب وكلمات حاسمة؛ فحل الفزع في قلب الخليفة؛ فجمع حاشيته وأركان دولته واستشارهم فيما يفعل؛ فأشار عليه وزيره "ابن العلقمي" أن يبذل الأموال والنفائس في استرضاء هولاكو وأن يعتذر له، وأن يذكر اسمه في الخطبة، وينقش اسمه على السكة، فمال الخليفة إلى قبول هذا الرأي في بداية الأمر غير أن مجاهد الدين أيبك المعروف بـ"الدويدار الصغير" رفض هذا الاقتراح، وحمل الخليفة العباسي على معارضته متهما ابن العلقمي بالخيانة والتواطؤ مع هولاكو؛ فعدل الخليفة عن رأيه السابق ومال إلى المقاومة.

يئس هولاكو من إقناع الخليفة العباسي بالتسليم؛ فشرع في الزحف نحو بغداد وضرب حولها حصارا شديدا، واشتبك الجيش العباسي الذي جهزه الخليفة العباسي بقيادة مجاهد الدين أيبك بالقوات المغولية فكانت الهزيمة من نصيبه، وقتل عدد كبير من جنوده لقلة خبرتهم بالحروب وعدم انضباطهم، وفر قائد الجيش مع من نجا بنفسه إلى بغداد.
كان الجيش المغولي هائلا يبلغ حوالي 200 ألف مقاتل مزودين بآلات الحصار، ولم تكن عاصمة الخلافة العباسية تملك من القوات ما يمكنها من دفع الحصار ودفع المغول إلى الوراء، في الوقت الذي كان يظن فيه هولاكو أن ببغداد جيشا كبيرا، ثم تكشفت له الحقيقة حين اشتد الحصار، ونجحت قواته في اختراق سور بغداد من الجانب الشرقي، وأصبحت العاصمة تحت رحمتهم.

سقوط بغداد
أحس الخليفة بالخطر، وأن الأمر قد خرج من يديه؛ فسعى في التوصل إلى حل سلمي مع هولاكو، لكن جهوده باءت بالفشل؛ فاضطر إلى الخروج من بغداد وتسليم نفسه وعاصمة الخلافة إلى هولاكو دون قيد أو شرط، وذلك في يوم الأحد الموافق (4 من صفر 656 هـ= 10 فبراير 1258م) ومعه أهله وولده بعد أن وعده هولاكو بالأمان.
كان برفقه الخليفة حين خرج 3 آلاف شخص من أعيان بغداد وعلمائها وكبار رجالها، فلما وصلوا إلى معسكر المغول أمر هولاكو بوضعهم في مكان خاص، وأخذ يلاطف الخليفة العباسي، وطلب منه أن ينادي في الناس بإلقاء أسلحتهم والخروج من المدينة لإحصائهم، فأرسل الخليفة رسولا من قبله ينادي في الناس بأن يلقوا سلاحهم ويخرجوا من الأسوار، وما إن فعلوا ذلك حتى انقض عليهم المغول وقتلوهم جميعا.
ودخل الغزاة الهمج بغداد وفتكوا بأهلها دون تفرقة بين رجال ونساء وأطفال، ولم يسلم من الموت إلا قليل، ثم قاموا بتخريب المساجد ليحصلوا على ذهب قبابها، وهدموا القصور بعد أن سلبوا ما فيها من تحف ومشغولات قيمة، وأتلفوا عددا كبيرا من الكتب القيمة، وأهلكوا كثيرا من أهل العلم فيها، واستمر هذا الوضع نحو أربعين يوما، وكلما مشطوا منطقة أشعلوا فيها النيران، فكانت تلتهم كل ما يصادفها، وخربت أكثر الأبنية وجامع الخليفة، ومشهد الإمام موسى الكاظم، وغيرها من البنايات التي كانت آية من آيات الفن الإسلامي.
وبالغ المؤرخون في عدد ضحايا الغزو المغولي حين دخلوا بغداد، فقدرهم بعض المؤرخين بمليون وثمانمائة ألف نسمة، على حين قدرهم آخرون بمليون نسمة، وفي اليوم التاسع من صفر دخل هولاكو بغداد مع حاشيته يصحبهم الخليفة العباسي، واستولى على ما في قصر الخلافة من أموال وكنوز، وكانت الجيوش المغولية أبقت على قصر الخلافة دون أن تمسه بسوء، ولم يكتف هولاكو بما فعله جنوده من جرائم وفظائع في العاصمة التليدة التي كانت قبلة الدنيا وزهرة المدائن ومدينه النور، وإنما ختم أعماله الهمجية بقتل الخليفة المستعصم بالله ومعه ولده الأكبر وخمسه من رجاله المخلصين الذين بقوا معه ولم يتركوه في هذه المحنة الشديدة.
وبمقتل الخليفة العباسي في (14 من صفر 656 هـ = 20 من فبراير 1258م) تكون قد انتهت دولة الخلافة العباسية التي حكمت العالم الإسلامي خمسة قرون من العاصمة بغداد لتبدأ بعد قليل في القاهرة عندما أحيا الظاهر بيبرس الخلافة العباسية من جديد.

يتبع

رد مع اقتباس
  #21  
قديم July 15, 2013, 05:16 AM
 


12 رمضان


بسم الله الرحمن الرحيم


ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم (على قول)

واختلف في الشهر الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمما قيل إنه ود في شهر رمضان في الثاني عشر منه. (وسيلة الإسلام 1/44) الخصائص الكبرى 1/86.

نزول الزبور على داود عليه السلام:

ومما نقله الإمام ابن كثير في البداية والنهاية (2/78) أن الزبور نزل على داود عليه السلام في اثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان، وذلك بعد التوراة بأربعمائة سنة واثنتين وثمانين سنة.
وقد قال الله تعالى حاكياً لنا بعض ما أوحاه في الزبور (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)
وقال ابن كثير : لما اجتمعت بنو إسرائيل على داود أنزل الله عليه الزبور وعلمه صنعة الحديد ، وألانه له ، وأمر الجبال والطير أن يسبّحن معه إذا سبّح ، ولم يعط الله فيما يذكرون أحداً من خلقه مثل صوته : كان إذا قرأ الزبور فيما يذكرون ترنو له الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها وأنها لمصيخة تسمع لصوته.
وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن داود كان يقرأ الزبور بسبعين صوتاً يكون فيها
وعن وهب بن منبه أن الله تعالى أوحى إلى داود في الزبور : ياداود إنه سيأتي من بعدك بني اسمه أحمد ومحمد صادقاً سيداً لا أغضب عليه ولا يغضبني أبداً وقد غفرت له ـ قبل أن يعصيني ـ ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء وفرضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل.



المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:

خرج المسلمون من مكة مهاجرين إلى المدينة واحتشدوا فيها ، ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشرع في بناء المسجد في المدينة
ورأى صلى الله عليه وسلم بحكمته ـ وبما أمره الله به ـ أن يجمع شمل المسلمين المهاجرين مع المسلمين أصحاب المدينة ففرض المؤاخاة بينهما،
وتذكر بعض الروايات أنه آخى بينهما والمسجد يبنى
وتذكر مصادر أخرى أنه آخى بينهما بعد ذلك (السيرة الحلية 2/29).
ويقول بعض الكتاب: إنها كانت في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان في السنة الأولى بعد الهجرة النبوية الشريفة.
ولكن المتفق عليه في هذا الصدد هو أن المؤاخاة تمت قبل غزوة بدر.
قال ابن عبد البر في (الدرر في اختصار المغازي والسير 1/88) :
ـ وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بنائه المسجد بين الأنصار والمهاجرين ، وقد قيل: إن المؤاخاة كانت والمسجد يبنى بين المهاجرين والأنصار على المواساة والحق. فكانوا يتوارثون بذلك (أي بالمؤاخاة) دون القرابات حتى نزلت (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) . . .
وذكر سعيد بن داود قال : بلغنا وكتبنا عن شيوخنا أنه صلى الله عليه وسلم آخى يؤمئذ بين أبي بكر الصديق وخارجة بن زيد بن أبي زهير ، وبين عمر بن الخطاب وعويمر بن ساعدة ، وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت ، وبين علي بن أبي طالب وسهل بن حنيف، وبين زيد بن حارثة وأسيد بن جعفر ، وبين مرثد الغنوي وعبادة بن الصامت ، وبين الزبير بن العوام وكعب بن مالك ، وبين طلحة وأبي بن كعب. . . الخ. وقال فيها صلى الله عليه وسلم :
ـ (تآخوا في الله أخوين أخوين). رواه ابن اسحاق (السيرة النبوية لابن هشام 3/36).


مقتل ذي النفس الزكية محمد بن عبد الله بن حسن:

ومن حوادث اليوم الثاني عشر من شهر رمضان مقتل رجل من أهل البيت بلغ ذروة المجد، واجتمعت فيه – كما يقول صاحب شذرات الذهب – خصال الكمال والعقل، ويشبه النبي صلى الله عليه وسلم في الخلق والخلق، وفي اسمه واسم أبيه . . . ذلك هو محمد بن عبد الله بن حسن الذي لقب بذي النفس الزكية، والذي كان المنصور والسفاح قبل خلافتهما - أي أيام الأمويين - من الدعاة إليه.
قال ابن العماد : حج المنصور بالناس ، وأهمه شأن محمد بن عبد الله بن الحسن وأخيه إبراهيم لتخلفهما عن الحضور عنده ، فوضع عليهما العيون وبالغ في تطلبهما ، وقبض على أبيهما فسجنه في بضعة عشر من أهل البيت ، وماتوا في سجنه ، فلما بلغ محمداً وفاة أبيه ثار بالمدينة ، وسجن متوليها وتتبع أصحابه، وخطب الناس وبايعوه ، واستعمل على مكة واليمن والشام عمالاً.
ولما أعيا المنصور أمره جهز إليه ابن عمه عيسى بن موسى بن محمد بن علي، فسار إليه في أربعة آلاف وكتب إلى الأشراف يستميلهم فمال كثير منهم، وتحصن محمد بالمدينة وأعمق خندقها ، وزحف عليه عيسى وناداه بالأمان وناشده الله. ومحمد لا يرعوي لذلك.
ولما رأى تخاذل أصحابه اغتسل وتحنط، وقاتلهم بنفسه قتالاً شديداً ومعه ثمانون رجلاً ، وقتل بيده اثني عشر رجلاً ثم قتل .
واستشهد لثنتي عشرة ليلة من رمضان سنة خمس وأربعين ومئة ، وله اثتنان وخمسون سنة ، وقبره بالبقيع .


فتح جزيرة قبرص:

ومن حوادث اليوم الثاني عشر من شهر رمضان فتح قبرص مرة ثانية عام 829م في عهد الملك الأشرف. وقد كانت قبرص محل صراع بين المسلمين والفرنجة عهوداً طويلة . . .
جاء وصفها في (النجوم الزاهرة 14/294 ): جزيرة تسمى باللغة الرومية شبرا ، فيها اثنا عشرة ألف قرية كباراً أو صغاراً، وبمدنها وقراها من الكنائس والديارات والقلالي والصوامع كثير ، وبها البساتين المشتملة على الفواكه المختلفة، وبها الرياحين المعطرة كالخزام والياسمين والورد والسوسن والنرجس والريحان والنسرين والأقحوان وشقائق النعمان وغير ذلك ، وبمدن الجزيرة المذكورة الأسواق والخانات والحمامات والمباني العظيمة . . .
وقد حاول الفرنجة رد المسلمين عن قبرص فحشروا قوات برية وبحرية ، منها أربعة عشر مركباً مشحونة بالسلاح والمقاتلة، فلاقاهم المسلمون في البحر بالمراكب وقاتلوهم أشد القتال، حتى ولّى الفرنجة الأدبار ، فدخل على إثر ذلك المسلمون قبرص ودخلوا قصر الملك وأسروه.
وأقام المسلمون سبعة أيام أراحوا فيها ابدأنهم ، وهم يقيمون فيها شعائر الإسلام من الأذان والصلاة والتسبيح لله والحمد على هذه المنة بهذا الفتح العظيم ، الذي لم يقع في الإسلام مثله من يوم غزاهم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في سنة نيف وستين.
قال ابن تغري : ثم ركبت الغزاة المراكب إلى جهة الديار المصرية ومعهم الأسرى والغنائم ومن جملتها (ملك قبرس ) وذلك في يوم الخميس ثاني عشر رمضان.
ولما بلغ السلطان الملك الأشرف (برسباي) خبر فتح قبرص بكى من شدة الفرح، وبكى الناس لبكائه ، وصار يكثر من الحمد والشكر لله ، وقرأ الكتاب الوارد بهذا النصر على الناس بالمدرسة الأشرفية ، وقالت الشعراء في هذا الفتح القصائد، منها قصيدة الشيخ الخراط أولها :
بشراك يا ملك الملوك الأشرفي بفتوح قبرص بالحسام المشرفي فتح بشهر الصوم تم له فيا لك أشرفٌ في أشرفٍ في أشرفِ فتح تفتحت السموات العلى من أجله بالنصر واللطف الخفي والله حضّ جنوده بملائك عاداتها التأييد وهو بها حفي.

اصطلح المؤرخون على تقسيم تاريخ دولة المماليك التي حكمت مصر والشام والحجاز إلى عصرين: عصر دولة المماليك البحرية (648- 784هـ = 1250- 1381م) نسبة إلى بحر النيل؛ حيث اختار السلطان الصالح "نجم الدين أيوب" جزيرة الروضة في وسط النيل لتكون مقرا لمماليكه، أما العصر الآخر؛ فأُطلق عليه "عصر دولة المماليك الجراكسة" أو المماليك البرجية (784- 922هـ = 1382- 1517م) نسبة إلى بلاد الجراكسة التي جُلبوا منها إلى مصر، أو نسبة إلى برج قلعة القاهرة، حيث كانوا يقيمون في ثكنات حوله.
وقد اتسمت الفترة الثانية بأن بلغت دولة المماليك أقصى اتساع لها في القرن التاسع الهجري، فأضافت إلى رقعتها جزيرة قبرص، وكانت تمثل خطرا داهما على نفوذها، وحاولت أن تضم "رودس" حتى تقضي على الحروب الصليبية تماما، بعد أن انتقل نشاطها من الشام إلى البحر المتوسط، لكنها لم تفلح في ضم رودس، كما بسطت نفوذها على أعالي الفرات، وأطراف آسيا الصغرى، وهو ما جعلها تتبوأ مكانة رفيعة في العالم الإسلامي.
ولاية برسباي
بدأ "برسباي" حياته مثل آلاف المماليك الذين يُجلبون إلى مصر، ويتلقون تعليما شرعيا وتربية خاصة في فنون الحرب والقتال، ثم يلتحقون بخدمة السلاطين، وكبار الأمراء، وترتقي ببعضهم مواهبهم وملكاتهم إلى المناصب القيادية في الدولة، وقد تسعدهم الأقدار فيصعدون إلى سدة الحكم والسلطنة، فيصبحون ملء الأسماع والأبصار، وتتطلع إليهم الأفئدة والقلوب، بعد أن كانوا مجهولي النسب، مغموري الأصل، ولكن رفعتهم همتهم أو ذكاؤهم وحيلتهم.
كان برسباي مملوكا للأمير "دقماق المحمدي" نائب "ملطية"، الذي اشتراه من أحد تجار الرقيق، ومكث في خدمته زمنا، ولقب بالدقماق نسبة إليه، فأصبح يعرف ببرسباي الدقماقي، ثم أهداه سيده إلى السلطان الظاهر "برقوق" سلطان مصر، فأعتقه، وجعله من جملة مماليكه وأمرائه، وبعد وفاة السلطان برقوق تقلّب في مناصب متعددة في عهد من خلفه من السلاطين، حتى نجح في اعتلاء عرش السلطنة في (8 من ربيع الآخر 825هـ = 1 من إبريل 1422م)، وهو السلطان الثامن في ترتيب سلاطين دولة المماليك الجركسية، والثاني والثلاثون في الترتيب العام لسلاطين دولة المماليك.
وقد نجح السلطان برسباي في الفترة التي قضاها في الحكم -وهي نحو سبعة عشر عاما- في إشاعة الأمن والاستقرار، والقضاء على الثورات والفتن، التي شبت في البلاد، والضرب على أيدي الخارجين على النظام، كما فعل مع ثورة طائفة المماليك الأجلاب، وهم الذين جاءوا إلى مصر كبارًا، وكانوا قد عاثوا في الأرض فسادًا لتأخر رواتبهم في عامي (835هـ = 1431م)، (838هـ = 1434م)، وقد مكّنه ذلك الاستقرار الذي نعمت به البلاد من القيام بغزو جزيرة قبرص.
فتح قبرص
اتخذ القبارصة من جزيرتهم مركزًا للوثوب على الموانئ الإسلامية في شرق البحر المتوسط وتهديد تجارة المسلمين، فقام "بطرس الأول لوزجنان" ملك قبرص بحملته الصليبية على الإسكندرية في سنة (767هـ = 1365م)، وأحرق الحوانيت والخانات والفنادق، ودنس المساجد وعلق القبارصة عليها الصلبان، واغتصبوا النساء، وقتلوا الأطفال والشيوخ، ومكثوا بالمدينة ثلاثة أيام يعيثون فيها فسادا، ثم غادروها إلى جزيرتهم، وتكررت مثل هذه الحملة على طرابلس الشام في سنة (796هـ = 1393م).
وظلت غارات القبارصة لا تنقطع على الموانئ الإسلامية، ولم تفلح محاولات سلاطين المماليك في دفع هذا الخطر والقضاء عليه، وبلغ استهانة القبارصة بهيبة دولة المماليك واغترارهم بقوتهم أن اعتدى بعض قراصنتهم على سفينة مصرية سنة (826هـ = 1423م)، وأسروا من فيها، ولم تفلح محاولات السلطان برسباي في عقد معاهدة مع "جانوس" ملك قبرص، تَضْمن عدم التعدي على تجار المسلمين.
وتمادى القبارصة في غرورهم، فاستولوا على سفينتين تجاريتين، قرب ميناء دمياط، وأسروا من فيهما، وكانوا يزيدون على مائة رجل، ثم تجاوزوا ذلك فاستولوا على سفينة محملة بالهدايا كان قد أرسلها السلطان برسباي إلى السلطان العثماني "مراد الثاني"، عند ذلك لم يكن أمام برسباي سوى التحرك لدفع هذا الخطر، والرد على هذه الإهانات التي يواظب القبارصة على توجيهها لدولة المماليك، واشتعلت في نفسه نوازع الجهاد، والشعور بالمسئولية، فأعد ثلاث حملات لغزو قبرص، وذلك في ثلاث سنوات متتالية.
الحملات الثلاث
خرجت الحملة الأولى في سنة (827هـ = 1424م)، وكانت حملة صغيرة نزلت قبرص، وهاجمت ميناء "ليماسول"، وأحرقت ثلاث سفن قبرصية كانت تستعد للقرصنة، وغنموا غنائم كثيرة، ثم عادت الحملة إلى القاهرة.
شجع هذا الظفر أن يبادر برسباي بإعداد حملة أعظم قوة من سابقتها لغزو قبرص، فخرجت الحملة الثانية في رجب (828هـ = مايو 1425م) مكونة من أربعين سفينة، واتجهت إلى الشام، ومنها إلى قبرص، حيث نجحت في تدمير قلعة ليماسول، وقُتل نحو خمسة آلاف قبرصي، وعادت إلى القاهرة تحمل بين يديها ألف أسير، فضلاً عن الغنائم التي حُملت على الجمال والبغال.
وفي الحملة الثالثة استهدف برسباي فتح الجزيرة وإخضاعها لسلطانه، فأعد حملة أعظم من سابقتيها وأكثر عددا وعُدة، فأبحرت مائة وثمانون سفينة من رشيد في (829هـ = 1426م)، واتجهت إلى ليماسول، فلم تلبث أن استسلمت للقوات المصرية في (26 من شعبان 829هـ = 2من يوليو 1426م)، وتحركت الحملة شمالا في جزيرة قبرص، وحاول ملك الجزيرة أن يدفع القوات المصرية، لكنه فشل وسقط أسيرا، واستولت القوات المصرية على العاصمة "نيقوسيا"، وبذا دخلت الجزيرة في طاعة دولة المماليك.
واحتفلت القاهرة برجوع الحملة الظافرة التي تحمل أكاليل النصر، وشقّت الحملة شوارع القاهرة التي احتشد أهلها لاستقبال الأبطال في (8 من شوال 829هـ = 14 من أغسطس 1426م)، وكانت جموع الأسرى البالغة 3700 أسير تسير خلف الموكب، وكان من بينها الملك جانوس وأمراؤه.
استقبل برسباي بالقلعة ملك قبرص، وكان بحضرته وفود من أماكن مختلفة، مثل: شريف مكة، ورسل من آل عثمان، وملك تونس، وبعض أمراء التركمان، فقبّل جانوس الأرض بين يدي برسباي، واستعطفه في أن يطلق سراحه، فوافق السلطان على أن يدفع مائتي ألف دينار فدية، مع التعهد بأن تظل قبرص تابعة لسلطان المماليك، وأن يكون هو نائبا عنه في حكمها، وأن يدفع جزية سنوية، واستمرت جزيرة قبرص منذ ذلك الوقت تابعة لمصر، حتى سنة (923هـ = 1517م) التي سقطت فيها دولة المماليك على يد السلطان العثماني "سليم الأول".

يتبع

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم السيرة النبوية وقصص تاريخ الاسلام ورجاله
أدوات الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الحمل و الولادة : لمعرفة ايام التبويض وانتظام الدورة ادخلي هنا.. نفيس منتدى الحمل والولادة والأمراض النسائية 9 July 16, 2013 05:22 PM
التقويم الدراسي للسنوات العشر القادمة المعتمد من مجلس الوزراء رحيل الساهر منتدى الدروس التعليمية المقررة والشروح والملخصات لجميع المستويات 9 April 26, 2013 06:37 PM
معلومات كاملة عن ايام التبويض | ملف كامل عن أيام التبويض | مرحلة التبويض عند المرأة ! سمو الإحساس ! منتدى الحمل والولادة والأمراض النسائية 8 March 22, 2013 03:21 AM


الساعة الآن 12:14 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتديات ستوب لاتُعبر بالضرورة عن رأي ستوب ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير