فيسبوك تويتر RSS



العودة   منتديات ستوب > المنتديات الأدبية > منتدى القصص والروايات الاكثر شعبية

منتدى القصص والروايات الاكثر شعبية القصص .الروايات الرومانسية . الروايات الخيالية .الروايات الطويلة. القصص الحزينة . القصص الشعبية .القصص الطريفة .القصص القصيرة,القصص الطويلة,قصص الاعضاء,الروايات.قصص حب,قصص واقعية.قصص اسلامية,قصص عبرة,طرائف القصص,روايات وقصص جاهزة.قصص هادفة.اشهر القصص والروايات,روايات عالمية



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1  
قديم August 19, 2016, 10:28 PM
 
قصّة طـويلة سبعُ الليلٍ والبئرُ المعطّلةُ





قصّة طــــــويلة





سبعُ الليلٍ والبئر المعطّلة



سبْعُ الليلِ اسمٌ تستخدمه القرويات لتخويف أطفالهن الأشقياء
فشبّوا بعد ذلك يخافون ظِّلالهم، إنَّه ساكن بئر القرية الوحيدة، الذي حرّم على
الأهالي الدنو منها يوم السبت من كل أسبوع، وكذلك بعد مغيب كل يوم مهما الحّت حاجتهم إلى الماء
فلا يحصلون على قطرة منه إلا بعد أنْ ترتفع الشمس بمقدار ثلاث أو أربع رماح، إذ تبعث حينئذ كما يزعمون
أشعتها الساطعة المبهرة فلا يستطيع ناشط الظلام استقبالها وإلا فقئت عيناه، فيضطر إلى الاختباء في الأعماق
هربا من النور، وينتفع الناس بالماء وقتئذ مبادرين الخطر الجاثم في مجاهل البئر
هكذا علل القرويون عدم اقترابهم منها ليلا.
ومع إنَّ أحدا منهم لم يقابله وجها لوجه مذ ظهر لهم أوّل مرة إلاّ أنَّ هذه المعلومات الأمنية ظلَّت متوارثة
تتناقلها الأجيال شفهيا مسلّمين بقدسيتها، محرّمين أي نقاش بشأن مصداقيتها فلقد شهد على صِحّتِها الآباء والأجداد
فليس من حق الأبناء أو الأحفاد مراجعة الثوابت، فقبلوها مع الإضافات المستمرة.
وظلّت بعض روايات السلف محل تبجيل وقبول في المجتمع القروي، ومنها على سبيل المثال أن ذلك العفريت النبيه
يستطيع سماع حديث القرويين في أي وقت فتحوا فيه أفواههم، وعلى أيِّ بعدٍ كانوا ومهما خفتت أصواتهم
لذلك لا تلهج السنتهم إلا بالثناء عليه حتى يرضى، فإنه إنْ غضب سد عيون البئر، وابتلع كل ما فيها فتصبح معطّلة
بلا قطرة ماء، ويعدمه الأهالي أياما طويلة ثمّ قام بمطاردة المارة ليلا نافثا نارا موقدة في وجوههم، هادرا هديرا أدوى
من هزيم الرعد القاصف أمّا زلزلة خطواته البطيئة فكفيلة بإرعاب قرية بأكملها، فما بالكم بطوله
السامق الذي يتجاوز منازل القرويين علوا؟ فنظرة إلى ذلك الطود العظيم قد تورث الهلع المؤبد.
وقد عرفوا كيف يرضونه، فبعد أن يحرق حظائر مواشيهم ويسرق منازلهم ويروّع أطفالهم فإنّهم يجمعون له النذر
ولا بد أن يشتمل على عدّة جنيهات ذهبيّة أو حلي أو نقود، فتنعم تلك القرية بعد ذلك بالأمن والأمان مدّة طويلة
ويخرج خدم سيّد البئر يتشدّقون بإنجازاته العظيمة، فهو حامي القرية من شياطين الإنس والجنّ، وهو الذي يمدّهم
بالماء العذب الزلال مجّانا، وقد اباح لهم الاغتسال وتنظيف ملابسهم وريّ محاصيلهم مجّانا
وهو من يقوم بترميم البئر وتعميرها مجّانا.حتّى إذا نسوا أمره خرج على حين غرة في ليلة حالكة الظلام
وظهر بغتة في أحد الأحياء الراقية تحديدا حيث يعيش الأغنياء، فهؤلاء لا يملكون الشجاعة الكافية لمواجهته
بسبب حرصهم على كل شيء، لكنهم يملكون المال الكثير وهو مطلبه الأساسي
وتنتقل عدوى الذعر منهم بآليّة أسرع إلى بقيّة القرويين، وعندما يبدأ هجومه الوحشي يجتمع أفراد الأسر المذعورة
غالبا في غرفة واحدة من غرف المنزل ثم يغلقون كافة منافذها، ويتركون له حرّية التحرّكِ في بقية الحجرات والمرافق
ولكنه لا يدخل دارا قطّ بل ينقل إرهابه وترويعه من حي إلى آخر ومن منزل إلى منزل ناشرا فزعا طاغيا، مشعلا
النيران في العرائش والحظائر الخالية بعد أن يطلق الماشية لتهيم في أزقّة القرية مضيفة بثغائها المتواصل ونهيقها المنكر
المزيد من الهلع فيستسلم القرويون للخوف والذعر ولا يفعلون شيئا، غير أن النساء يتفرّغن لوصلة بكاء تتناغم مع صراخ الأطفال
بينما يبتهل الرجال إلى الله سبحانه وتعالى أنْ يحميهم من الشرّير وقد أمسوا أجزاء لا تتجزأ من الغرف التي حشروا فيها
وبعد رحيله يبادرون إلى إطفاء الحرائق ولملمة شعث ما تبعثر، وصباحا يخرجون لتفقد الممتلكات وحصر الخسائر
فيجدونه قد استولى على ما خفَّ وزنه وغلا ثمنه مع أنّه لم يدخل دارا قط ، فيؤدّي كل فرد واجبه من المواساة إلى الآخرين
في حزن وأسى وخنوع تام ولا يفكرون أبدا في التخلص منه، أو مقاومته أو محاولة عرقلته.
وهكذا عاش أهالي تلك القرية النائية التي لم تصلها الحضارة بسبب ممانعة المتنفّذين وتخويفهم الناس من كل جديد وتعنيف وقهر
كل من يبدي امتعاضا أو تذمّرا أو عبّر عن استياءٍ أو اعتراض، فعاشوا عقودا من الرعب في ذل وخضوع
وسلّموا مهجهم وعقولهم للشائعات والتضليل وكل ما يجيدونه هو محاربة أي فردٍ خرج عن المألوف حتى وإن كان يملك
حجة ودليل وبرهان، فكم من فم كُمِم وكم من لسانٍ أخرس وكم من كريم هان على يدي الجهل والضلال في إصرار عجيب
على حياة الجهل والتخلّف والخنوع والذُل ولا تجد بينهم من يرتاب في طبيعة ما يجري، جميعهم مؤمنون بأنّ
ذلك المخلوق مسلّط عليهم، فلا حول لهم ولا قوة في دفعه، وعليهم القبول بالواقع التعيس
واعتادوا على ارجاع سبب هجوم الوحش العفريت إلى خطاء أرتكبه أحد ما في حقّ سيّد البئر.

دوام الحال من المحال

قال الراوي:
إنَّ دوام الحال من المحال فلقد عاد إلى تلك القرية المنكوبة أحد أبنائها النجباء، الذين اغتربوا طلبا للعلم
وقد تلقّى منه قدرا يشككه في حقيقة الإرهابي الوحش المزعوم، إذ أهداه أشقاؤه الحكاية منقّحة تماما في أول ليلةٍ
يسامرهم فيها. فقال الشاب المتعلّم: أنا لا أصدّق ما تقولون. أي وحش هذا الذي يسرق الأموال؟
ولا يفترس الحيوانات الأليفة بل يطلق سراحها قبل حرق مأواها؟
فوضع أخوه الكبير بدر يده على فمه، وقال هامسا: احذر أنْ يسمعك فإنّه يجوس خلال الديار ويعاقب
من ينتقص من هيبته ويشكّك في قدراته الهائلة. فقال الشاب هازئا: وكم إنسان قد تعرض لعقوبته؟
قال الأخ متحمِّسا: أوهوه كثيرون جدا فأمّن الحاضرون على كلامه: صحيح صحيح
قال: فاذكروا لي اسماء خمسة أفراد عاقبهم سبع الليل أحبُّ أن أعرف التفاصيل منهم.
فعجزوا حتى عن ذكر اسم واحد، وقال بدرٌ غاضبا: الجميع يعرف ذلك ولقد رأيت سبع الليل بعيني
مرّات عديدة. فقال الآخرون: نعم جميعنا قد رآه، إنّه عفريت حقيقي. قال الشاب: ولماذا لا تقاومونه؟
قالوا: لقد تصدّى له رجال من القرية وأطلقوا عليه الرصاص لكنها لا تؤثر فيه.
فاندهش المتعلّم واختلطت أوراقه وتوّتر. فقال أحدهم: لقد واجهه بن فرضة رحى وابوه وجدّه من قبل
لكنه كان يقبض عليهم. قال الشاب المتعلِّم: وماذا يفعل بهم؟
قال: يتضرّعون اليه ويبكون بين يديه فيطلق سراحهم بعد أن يتعهدوا بخدمته، ومن ثم يقفون في وجه
كل من يذكره بسوء، بل أضحوا المتحدّثين باسمه والمتفاوضين معه وحماة مصالحه ورعاة البئر وخُدّامها.
فضحك المتعلّم وزال توّتره، وقال ساخرا: ما هذا العفريت الرحيم الذي يتفاوض مع البشر؟
ثم سأل مجددا: ومتى يأتي هذا المخلوق إلى القرية؟
قالوا: إنّه يحتلّ البئر من عهد بعيد، ولا يعلم أحد متى سيأتي، ولكنه يهاجمنا فجأة
قال: فأنا أرغب في مواجهته عندما يأتي في المرّة المقبلة، بل سأذهب الآن إلى البئر
وأتحداه أن يخرج إليّ إن كان موجودا فعلا، فمن منكم سيرافقني؟
فصمتوا جميعا رعبا وجبنا، وشعروا بقشعريرة تسري في أبدانهم التي أنحلها الجهل
فتدخّل الأخ الكبير قائلا: أمجنون أنت يا مبارك؟ أتريد أن تذهب إلى وحش تستفزّه وتبارزه في عرينه؟
لا. لن ادعك تذهب إلى الموت برجليك. قال: لا بد لي من معرفة سر ذلك المخلوق
وكشف حقيقة ما تخافون وترهبون. فقال بعضهم: وماذا تفيدك معرفة سره وحقيقته؟
قال: لأن أموت مدافعا عن عرضي ومالي وكرامتي وحقي في الحياة، خير لي من أن أعيش مضطهدا
من قبل مخلوق أجهل حقيقته، وقد يكون مجرّد إنسان محتال.
فمن منكم سيرافقني؟ ثم هبّ وقفا، وكان ليل القرية قد بسط عباءته، فتصدّى له بدر والآخرون ومنعوه
من الخروج وقد رأوه مصرا على الذهاب ثم أرسلوا من يستدعي أباه وكبار العائلة.
فلمّا حضروا قال بدر شارحا الموقف: إن مبارك أخي يعتزم الخروج الساعة إلى البئر
واستفزاز سبع الليل وإثارته وتهييجه، ولم يصدّق كلامنا وسخر من مخاوفنا
وأدعى أن ما نعتقده غير صحيح، وأن ما يهاجمنا ليس بوحش بل مجرد إنسان
محتال فمنعناه بالقوّة لكي لا يرتكب حماقة ويلقي بنفسه إلى التهلكة
فاستحسنوا صنيعه واثنوا عليه. فقال مبارك: صدّقني يا أبي إنّ ما تخشون وترهبون ليس إلا وهما
عظّمته وضخّمته الشائعات المتوارثة في أعينكم وقلوبكم فغدا كابوسا مرعبا، فأي وحش هذا الذي يسرق المال
والمجوهرات ويترك الأطعمة والأغذية، ليس هذا والله سوى لص حقير ضحك على عقولكم، وأستغل خوفكم وشجّعه
جهلكم على التمادي في السرقة والفساد. فغضب كل من في المجلس واستقبحوا كلامه، ولم يسعهم قبول الحقيقة
واستنكروا جرأته ومنعوه من الخروج، وتوعّدوه بنقمة سبع الليل ما لم يرضى بما رضوا به
ثمّ جثى الوالد على ركبتيه وسط المجلس وتضرّع معتذرا:
أرجوك اعفو عنه يا سبع الليل، يا أبا الفرس والخيل، فإنّ ولدي هذا سفيه جاهل لا يعرف شيئا.
ثم انصرفوا يلتفتون يمنة ويسرة في رعب وهلع، وتركوا مع مبارك من يحاول إقناعه بقبول سلطة الوهم
متأملين منه الاعتذار إلى سيّد البئر فأبى أشد الإباء.
ونقل ما دار في منزل آل الفقعي إلى سبع الليل إذ للجدران آذان ...

يتبع إن شاء الله




رد مع اقتباس
  #2  
قديم August 25, 2016, 08:35 PM
 



سبع الليل


والبئر المعطّلة



مبارك الملطوم


في الصباح انتشرت شائعة مفادها أن مبارك بن مبخوت قد تعرض له العفريت
ليلة البارحة ولطمه لطمة أفقدته عقله، بعد أن سخر منه وهزئ به، ولم يصدّق
أنّه وحش حقيقي، فأصبح يهذي بكلام المجانين فأقبل القرويون يواسون أسرة الفقعي ابن قريتهم
وفي نفس الوقت يعززون اعتقادهم الساذج، ويؤكدون لأنفسهم أن الخرافة الموروثة حقيقة حينما يرون
ويسمعون مبارك الملطوم وهو يخرّف. وخرج الأطفال والسُفهاء والمجانين يرددون أهازيجا يهجون بها الشاب
الذي شذّ عن قاعدة الاستسلام، وأخذوا يطوفون أزقة القرية وأحياءها يغنون ويزمِّرون في بلاهة وسذاجة.
وسمعت منى بنت لبخيت ما يقال عن بن خالتها فلم تصدّق أنّ مباركا المتعلّم يمكن أن يكون أحمقا وطائشا
فألحّت على والدتها في الذهاب معها للاطمئنان عليه. بينما جعل كبار القرية وقد غلبت عليهم النشوة يتشدّقون
بكلام فاضٍ عديم الحكمة وينعتون ابن الفقعي بالغرور والوقاحة وبذاءة اللسان، وأن التعليم قد أفسده
وأخذوا يتوعّدونه بعقوبة أفظع إذا ما تعرض بالسخرية لسبع الليل مرة أخرى، مع أنّ أغلبهم هم يدركون تماما أنّه محق
ولكنّ يمنعهم سببان من الاعتراف بصدق تكهّن الشاب المتعلّم السبب الأوّل استمراؤهم الخنوع وتعوّدهم عليه
والسبب الثاني الحسد فهم لا يرضون بفضل لأحدٍ سواهم. وأراد الوحش المزعوم أن يثبت للقرويين ولابن الفقعي
على وجه الخصوص أنه موجود حقيقة لا خيال وكان ذلك تصرفا أرعنا منه غبيا، إذ اعتقد أنّ مبارك جاهل جبان
مثله مثل الآخرين الذين أخضعهم واستعبدهم، واستغفلهم وأذاقهم الأمرّين. بينما أصيب الشّاب بالصداع من تفاهات القرويين
وخزعبلاتهم وهم يحاولون تخويفه وإرهابه وتحذيره من الاقتراب من البئر ليلا، فلا ينصرف رجل جاهل حتى يحل محله
رجل اجهل أو امرأة معتوهة وكل يعظه ويرغّبه وأخيرا يرهبه، فأبدى لهم اقتناعا مصطنعا و توبة مزيفة
فتركوه ووكلوا به من يراقبه، وعندما وصلت منى تهافتت عليها القرويات يطلبن منها اقناع ابن خالتها بالتخلّي عن إعمال فكره
والرضا بما رضي به الآباء والأجداد والأبناء، فهو لن يرفض لها طلبا نظرا لما يحمل لها من محبّة ومعزّة فوعدتهن خيرا
وحينما انفردت به سألته: أحقا تعرّض لك سبع الليل؟ قال: أتمنّى أن يتعرّض لي. قالت: الا تخافه؟ قال: كيف أخافه ولم أره؟
قالت: انا قد رأيته بعيني، قال: صفيه لي. قالت: إنّه مخلوق طويل جدا، ينفث النار من فمه فيحرق الأكواخ والزرائب، ويطارد ...
فقاطعها مبارك: اعرف هذا فهل يدخل البيوت؟ قالت: لا. لا يمكنه ذلك بسبب طوله الفارع. قال: فمن يسرق الأموال إذا؟
فسكتت برهة ثم قالت: لا أحد يعلم من يسرق المال. قال: إذا فهناك من يستغّل هجوم الوحش المزعوم فيسرق وينهب
قالت: لا نرى أحدا سواه. قال: ذلك لأن اللصوص يدخلون البيوت عندما تغادرونها، قالت: أظنك محقا.
ولكن كيف ستقنع هؤلاء المرعوبين؟ قال: لا بدّ أن يكون بينهم بعض العقلاء استعين بهم بعد الله على كشف العصابة
قالت: أتظنّ أنها عصابة؟ قال: بل أقسم على ذلك وسترين. وفي المسجد تلقّى مبارك المزيد من التوبيخ والتهديد والنصح
الغير رشيد ولم يتمكّن من فعل شيء ذلك اليوم غير المرور بالبئر مرور الكرام بسبب الرقابة المفروضة عليه
وبعد صلاة العصر اجتمع به بعض شباب القرية على دكّة المسجد وأخذوا يناقشون القضية، فأعرب ثلاثة منهم عن الاستعداد
لمرافقته إلى البئر متى شاء، لكنّه امتنع عن مجاراتهم خوفا من أن يمنع أو يعرقل عن اكتشاف الحقيقة
وهو كذلك يجهل حقيقة نواياهم وأهدافهم، وبعد صلاة المغرب أغلق معظم القرويين منازلهم، ولجأ آخرون إلى البيوت الأكثر
امنا، تحرُّزا من انتقام وحش البئر الشرير الذي استفزّه مبارك الفقعي وأغضبه بتصريحاته الوقحة فهو قادم لا محالة.
وصدقت تنبؤاتهم فما هي سوى ساعة من ليل حتى سمعوا صراخ الأطفال واستغاثات النساء تنطلق من بعض البيوت
التي اشتعلت نيران غضب سبع الليل بالقرب منها، فسرى الرعب في القلوب سريان السم في دم الملدوغ، وتمكّن منهم الهلع
فأخذوا يلعنون الشاب الأرعن الذي أثار عليهم غضب وسخط الوحش، ثم توجّه الشيخ غانم بن محمود شيخ القرية بمعية بعض
الوجهاء إلى بيت مبخوت الفقعي بعد رحيل سبع الليل المفاجئ وهم ساخطون ناقمون، وأخذوا يقرعون الباب في هلع وسخط معا
فلمّا ادخلهم وبّخوه على ليونته في تربية ولده، وتراخيه عن كبح رعونته وطالبوه بدفع مبارك الملطوم إلى سبع الليل لينتقم منه
فهو الذى هزئ به وانتقص من هيبته وأغضبه وسخِر منه ولم يعرف قدره ومقامه، فعليه مقابلته وجها لوجه، ها هو يعيث فسادا
فليخرج إليه مبارك القوي. فأحرج مبخوت الفقعي، وشرع يعتذر إلى القوم ويستعفيهم، ولكنهم كانوا تحت وطأة الذعر، وسطوة
الشائعات وحكم الهلع فلم يقبلوا منه صرفا ولا عدلا، إنَّه رأس مبارك مقابل رضا الوحش هذا ما أجمعوا عليه
فرفض آل الفقعي طلبهم بتحدٍ وعناد، ووثبوا إلى السلاح ليدفعوا به عن ولدهم، وقبل أن يحدث أي احتكاك بين الطرفين
سمعوا هاتفا يهتف من بعيد: مبارك بن مبخوت يطارد الوحش ... والوحش يهرب الوحش يهرب الوحش يهرب
وسمعوا صوت اطلاق نار عدّة مرّات، فاختلطت المشاعر بين الدهشة والخوف، والتكذيب والتصديق والفرحة والحذر
ثم انطلقوا جميعا إلى مصدر الهتاف، فإذا بثلاثة من شباب القرية واقفين يلهثون، فسألوهم عن حقيقة ما يقولون
فأكد لهم رشيد بن الشيخ غانم أنه ورجب بن النعمان ومحمد بن سِعِدْ إِر مغْلِلْ كانوا مع مبارك، وأنهم
طاردوا سبع الليل معا عندما رأوه مقبلا من ناحية القرية الشرقيّة متوجّها إلى غربها، إلا أنهم خافوا وتراجعوا عندما
نفث النار في وجوههم وظل ابن الفقعي يطارده لوحده دون خوف أو تردّد والوحش يفر مرعوبا
ثمّ سمعناه يهدده قائلا وبصوتٍ ناعم: عُدْ وإلاّ أكلتك ولكن مبارك شد عليه فهرب الوحش
فقال الشيخ غانم: وأين هما الآن؟ قال رجب: لقد توجها إلى البئر، ولسنا ندري ماذا يحدث هناك
غير أننا سمعنا إطلاق نار. فقال ابن فرضة رحى تاجر القرية شامتا: هلك الولد ، يا له من أحمق
إن الرصاص لا يضرُّ سبع الليل كما تعلمون، لا إله إلا اللهُ راح المسكين كشربة ماء، مكر به خاطف الأرواح لينفرد به
فأيقن الجميع أن الوحش قد استدرج مباركا إلى البئر ليفتك به هناك فخيم الصمت والحزن
ولم يجرؤ أحد على ذكر كلمة إنقاذ أو كلمة نجدة. وفي منزل مبخوت الفقعي ارتفع نياح النائحات وصراخ الباكيات
وشرع الجميع في لوم الأب الذي لم ينهى ابنه عن الرعونة والطيش، ولم يردعه عن التهوّر، وحمّلوه مسؤولية مقتل ابنه
ثم انصرف الشيوخ مرتبكين وتركوا تلك العائلة المفجوعة بولدها في أتون حزن وأسى وخوف وقلق. ولم تطق منى الانتظار
حتى الصباح عندما سمعت بما حدث، بل خرجت كالمجنونة حاملة فانوسا وهرِعت إلى ناحية البئر تسابق دموعها
فصادفت الشيخ غانم ومن معه وهم عائدين، فانتهرها أحدهم مستنكرا جرأتها على الخروج في هذا الظرف المرعب:
اجننتِ؟ أم لا تعلمين أن الوحش قد أخذ ابن الفقعي؟ فزاد خوفها على حبيب قلبها ولم تردّ عليه وواصلت سيرها
ثمّ لحق بها بدر والشبّان الثلاثة عندما رأوها متّجهة إلى البئر، ولم يبتعد المعاتبون كثيرا حتى عادوا أدراجهم مسرعين
فلقد سمعوا الزغاريد، وهتافات مبخوت وابنائه: الله أكبر الحمد لله سلامات سلامات
وعندما دخلوا الدار وجدوا مباركا بن مبخوت الفقعي بشحمه ولحمه واقفا كالليث العابس لم يمسسه سوء.
فأخذ بن فرضة رحى يجسُّه بأصبعه مدعيا أنه ليس ابن الفقعي بل هو سبع الليل متنكرا. فضحكت منى
وغضب الشاب وقال: أخرجن من دارنا أيتها الدجاجات الهلعة، فنكّس الرجال رؤوسهم ولم يعترضوا على الإهانة
لأنهم فعلا جبناء وأغبياء توجههم الشائعات وتتحكم بهم شرذمة من الخبثاء.
وحقد تاجر القرية على الفتاة التي سخرت منه أمام الجميع، وأضمر في نفسه نيّة سوء لها ولابن خالتها الجريء.
وسأل الشيخ محمود الشاب المتعلّم: احقا طاردت الوحش وهرب من امامك؟ قال: نعم. فقال ابن فرضة رحى
مستهينا: لم يهرب خوفا منك بل خشية من سيل الرصاص الذي أمطرته به، فقال الشاب: لست من أطلق الرصاص
ولا أعلم من الفاعل. قال: وأظنّك رأيت أن الرصاص لا يؤذيه؟ ثم خرج ضاحكا
وبعد رحيل الزوّار روى مبارك لعائلته ما حدث قائلا: إنّ ذلك اللص الذي سيطر على عقولكم وقلوبكم ردحا من الزمن
قد هرب من أوّل مواجهة حقيقية معه، ولو لم يقفز إلى البئر لكنت قبضت عليه وهتكت ستره.
لكّن الجميع كانوا يستمعون إليه مجاملة فقط، أمّا منى فكانت محبّتها تفرض عليها تصديقه بغض النظر عن الاقتناع.
قال الراوي:
في اليوم التالي صباحا نهض الشاب على أصوات كثيرة مختلطة، وعندما خرج من الغرفة فوجئ بوجود العشرات من
القرويين والقرويات كبار وصغار داخل وخارج المنزل، وهم يثرثرون ويتفوهون بكلام لا وزن له ولا قيمة، وحينما
لمحته النساء خارجا أطلقن زغاريدا متتالية، ثم أخذن يمتدحن شجاعته وجرأته ورجولته، وشرعن يهنئنه على السلامة
ويدعين له بطول العمر، ولم يكد الرجال يبصرونه قادما حتى بادروا إلى الترحيب به وهم يقولون بلغتهم الشحرية:
نجف عِدِدْ ..خَب عكْ عِنْهْ .. تب عر غِج حَرَدْ حجب لِه أيي سلُم هَت
وأخذ بعضهم يرقد الرقيد ابتهاجا بالبطل المغوار، الذي قهر الوحش المخيف وردع العدوّ الشرير، وقد عجزوا عنه هم
وآباؤهم وأجدادهم. ثمّ هُرعوا إلى السلام عليه وتهنئته بالنجاة، وأمر الشيخ غانم بذبح الذبائح وإقامة الأفراح
لكنّ مبارك قال: لا ذبائح ولا أفراح قبل أنْ اكشف سر هذا الشيطان الملعون وأقف على حقيقة شخصه
وكل ما أطلبه منكم أن ترصدوا تحركاته، وأن تبلغوني حينما ترونه في أي مكان.
فأعترض ابن فرضة رحى تاجر القرية قائلا: ما أجهلك يا ولد! وما أغباك! وما أسخف عقلك!
لقد نجوت من قبضة سبع الليل مرّة، فلن تنجو من مخالبه مرة أخرى. ثم أخذ يحرِّض القرويين السّذج على مبارك
شرع يحثّهم على منعه من التعرُّض لساكن البئر، وقال محذِرا: لقد رأيتم ما فعله الوحش بنا عندما سمع هذا الأرعن
يشتمه ويهينه، ولست مصدِّقا أنه قد طارد سبع الليل العظيم بمفرده، فإن شئتم أن تعيشوا في سلام فامنعوا الملطوم من
استفزاز ذلك الشيطان، ولا تسمحوا له بالاقتراب من البئر فهتف القرويون: مبارك الملطوم دع سبع الليل وشأنه
ثم انصرفوا خائفين هلعين، فشعر الفتى بالرثاء لأجل أولئك الرعاع.
ومضى تاجر القرية ينشر الدعايات الكاذبة ويخيف الناس ويهيجهم على ابن الفقعي مدّعيا الحرص على سلامتهم
من ثورة الوحش وغضبته الكبرى وفي الليل عاود السبع هجومهم مختبرا جدّية مبارك الفقعي وجرأته
وفي ذات الوقت أراد أن يؤكدا للقرويين الجهلة على صدق كلام التاجر بن فرضة رحى، واختار حيّا يبعد كثيرا
عن منزل آل الفقعي فهرع مبارك ومجموعة الشباب المتحمّسين يطاردونه، وما إن ابتعدوا حتى فوجئ الأهالي بصراخ
عويشة الدبّاغة أم منى بنت لبخيت ..
يتبع إن شاء الله



رد مع اقتباس
  #3  
قديم August 29, 2016, 02:55 PM
 

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى القصص والروايات الاكثر شعبية
أدوات الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بحث عن نظام الدستور الفرنسى ، بحث علمى كامل فى نظام الدستور الفرنسى جاهز وليدالحمداني منتدى البحوث الجامعية والمدرسية الشاملة 2 March 6, 2015 04:30 AM
دستـور دولـة فلســطين المهاجر دائما منتدى السياحة والرحلات واشهر الوجهات العالمية 11 December 12, 2012 11:07 PM
بحث بعنوان . قطاع الإتصالات.بحوث متكامله. بحوث علميه وأدبيه . بحث جاهز ورد الحمام منتدى البحوث الجامعية والمدرسية الشاملة 4 December 5, 2012 06:38 PM
حضارة الخليج العربي..بحث شامل..بحث جاهز يونس ستوب منتدى البحوث الجامعية والمدرسية الشاملة 5 May 11, 2012 10:55 PM
بحث اقتصادي رائع حول الرقابة على تنفيذ الميزانية . علوم اقتصادية . بحوث اقتصادية ! شاام ! منتدى البحوث الجامعية والمدرسية الشاملة 8 February 11, 2012 06:25 PM


الساعة الآن 07:29 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتديات ستوب لاتُعبر بالضرورة عن رأي ستوب ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير